ولما خرج أبو بكر وسمعه يقول ذلك أقبل على الناس وعلى عمر، فقال له: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى عمر أن ينصت لشدة اضطرابه وعظم ما فيه، فلما رأى أبو بكر منه تلك الحكمة التفت إلى الناس وقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، والله تعالى يقول:
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .
1
فلما سمع الناس ذلك صفعوا وكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك هذه الآية حتى تلاها أبو بكر. قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت ساعتئذ أن النبي قد مات، وأراد أبو بكر وعمر أن يرجعا إلى بيت رسول الله، ولكنهما فوجئا بأن الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يتشاورون ويتذاكرون فيمن يخلف النبي، فتوجها إليهم.
الفصل الأول
| في نسبه وأوليته وإسلامه
هو أبو بكر عبد الله عقيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب سعد بن تيم بن حرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ... بن معد بن عدنان. وأمه: هي أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن معد بن عدنان. وكان أبو قحافة من سادات قريش في الجاهلية، ولد سنة 83 قبل الهجرة، فنشأ سريا نبيلا تاجرا ذا مكانة رفيعة في قومه، فلما أعلن الرسول دعوته كان أبو بكر أول من أسلم، ولم يسلم أبوه إلا عام فتح مكة، وبايع رسول الله وكان قد كف بصره فجاء به ابنه يقوده إلى رسول الله، فلما رآه الرسول قادما قال لأبي بكر: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آت، فقال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه. ثم مسح الرسول صدره، وكان رأس أبي قحافة أبيض كالثغامة، فقال: «غيروا هذا بشيء وجنبوه السواد»، فكان أبو قحافة أول مخضوب خضب في الإسلام. وأما أمه فهي ممن أسلمن قديما وبايعن النبي أيام الدعوة الأولى في دار الأرقم.
1
ولد أبو بكر لسنتين من مولد النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكانا صديقين حميمين، تصادقا ولأبي بكر ثمان عشرة سنة وللنبي عشرون في تجارة إلى الشام، وكان لا يفارقه في أسفاره وحضره، وقد وصف أبو بكر بأنه كان أبيض البشرة نحيفا خفيف العارضين، منحنيا لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه، معروقا غائر العينين ناتئ الجبهة عاري الأشاجع (أصول الأصابع)، يخضب بالحناء، وشب كما يشب نبلاء فتيان قريش كاتبا عالما بأنساب قومه عاقلا نبيلا وجيها رئيسا من رؤسائهم، وكانت إليه الأشناق، وهي من الديات، كان إذا تحمل شنقا صدقته قريش وأمضت حمالته، وإذا حملها غيره خذلوه ولم يقبلوه، وكان يتاجر بالبزر والمنسوجات، وبلغ رأسماله أربعين ألف درهم، وكان مشهورا بالعفة والاستقامة والأمانة، ولم يشرب الخمر قط.
ولما كانت الإرهاصات تأتي النبي قبل البعثة كان يقص ذلك على أبي بكر؛ فقد روى شرحبيل أن النبي كان إذا برز سمع من يناديه: «يا محمد»، فإذا سمع الصوت انطلق هاربا، فأسر ذلك إلى أبي بكر، وكان رسول الله قد قال لخديجة: «إني إذا خلوت سمعت نداء، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا»، فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك أمرا؛ فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. ودخل أبو بكر مرة - وليس رسول الله موجودا - فذكرت خديجة له حديثه
صلى الله عليه وسلم ، وقالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل، فلما دخل رسول الله أخذ أبو بكر بيده فانطلق به إلى ورقة، فقص عليه ما يسمع، فصار ورقة يثبته ويقول له: والله إن هذا هو الناموس الذي أنزله على نبيه موسى
صلى الله عليه وسلم .
ولما بعث الله محمدا برسالته كان أبو بكر أول من آمن به وصدقه، وأعلن إسلامه، وأخذ يدعو الناس إلى الإسلام، قال ابن إسحاق: لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجلا مؤلفا لقومه محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه فيما بلغني: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله حين استجابوا له فأسلموا، وكان هؤلاء مع علي وزيد وأبي بكر النفر الثمانية الذين سبقوا بالإسلام وصدقوا رسول الله.