5
ولما قدم أبو بكر المدينة مع رسول الله كان عونه وعضده وسميره ووزيره، وكان لا يبخل عليه بماله، وينفق كل ما يملكه في سبيل الدعوة، وروى عروة بن الزبير قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفا أنفقها كلها على رسول الله وفي سبيل الله. وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر كل ماله معه وهو خمسة آلاف درهم أو ستة خرج بها معه، فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه فجعكم بماله مع نفسه، قالت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا.
وقد تجلت بطولة أبي بكر في شجاعته وتفانيه في نصرة الدعوة الإسلامية وفي تنظيمه لشئون المسلمين في دار الهجرة وفي الغزوات التي رافق النبي
صلى الله عليه وسلم
وأظهر فيها كل ضروب النبل والإخلاص والمروءة، وفي معاونته للنبي وحله للمشاكل والمعضلات التي كانت تعتوره، قال ابن خلدون: كان
صلى الله عليه وسلم
يفاوض أصحابه ويشاورهم في مهماته العامة والخاصة، ويخص مع ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى، فكان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها في بلاد كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره.
6
الفصل الثاني
| استخلافه وسيرته
توجه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة - وهي صفة مظللة كانوا يجتمعون فيها، وهي لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج
1 - وكان الأنصار قد اجتمعوا فيها يريدون مبايعة سعد بن عبادة الخزرجي سيد الأنصار، وأخذوا يتداولون في الأمر، وكان سعد بن عبادة يومئذ مريضا، فقال لابنه: إني لا أقدر أن أخطب وأسمع القوم كلهم كلامي، ولكن تلق مني قولي فأسمعه إياهم، فقال بعد أن حمد الله: «يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن محمدا عليه السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن من قومه إلا رجال قليل، ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله، ولا أن يعزوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به، حتى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر الله طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا، حتى أثخن الله عز وجل لرسولكم بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله وهو عنكم راض، وبكم قرير عين، استبدوا بهذا الأمر دون الناس، فإنه لكم دون الناس.»
فأجاب كل الأنصار الدعوة وقالوا أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر؛ فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضي. ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم،
2
وطال جدل القوم في الأمر حتى قال بعضهم: نقول للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير.
فلما دخل أبو بكر وصاحباه عليهم أخذ يتكلم، فلم يترك شيئا نزل في الأنصار أو ذكره النبي
صلى الله عليه وسلم
من شأنهم إلا وذكره، ثم قال: «لقد علمتم أن رسول الله قال: لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار واديا سلكت وادي الأنصار»، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم.
3
فقام خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فقال: يا معشر الأنصار، إن تقدموا قريشا اليوم يقدموكم إلى الخير يوم القيامة، فأنتم الأنصار وفيكم كتاب الأمر وإليكم الهجرة وفيكم أمر رسول الله، فاطلبوا رجلا تهابه قريش وتأمنه الأنصار، فقال الأنصار: ومن ذلك؟ فقال: سعد بن عبادة، فقالوا: فسعدا نريد.
ثم قام أسيد بن حصين الأوسي، وهو يومئذ من أثبات الأنصار وأهل الطاعة فيهم، فقال: يا معشر الأنصار، إنه قد عظمت نعمة الله عليكم أن سماكم الأنصار، وجعل فيكم الهجرة، وقبض فيكم رسول الله