ومن أجل مناقبه: زهده وورعه؛ فقد كان متقللا في الدنيا، متتبعا سيرة الرسول في البعد عن الملاذ والشهوات، متكفيا بتناول الضروري من الطعام لتقوية بدنه في طاعة الله؛ فقد كان على الرغم مما فتح الله عليه وأفاء على البلاد والعباد من الأموال في عهده زاهدا في الدنيا ورعا عن زهرتها.
قال ابن عباس: مات النبي وعليه إحدى عشرة رقعة بعضها من أدم، ومات أبو بكر وعليه ثلاث عشرة رقعة بعضها من أدم، وقالت عائشة: قال لي أبي في مرض موته: يا بنية، إني كنت أتجر قريش وأكثرهم مالا، فلما شغلتني الإمارة رأيت أن أصيب من هذا المال، فأصبت هذه العباءة القطوانية وحلابا وعبدا، فإذا مت فأسرعي به إلى ابن الخطاب، يا بنيتي ثيابي هذه كفنيني بها، قالت: فبكيت وقلت: يا أبت، نحن أيسر من ذلك، فقال: غفر الله لك، وهل ذلك إلا المهل؟ فقالت: فلما مات بعثت بذلك إلى ابن الخطاب، فقال: يرحم الله أباك، لقد أحب ألا يترك لقائل مقالا، ولقد أتعب من بعده، رضي الله عنه.
عائشة تطري مناقب أبيها وتعددها
روى القاسم بن محمد قال: قالت عائشة تطري مناقب أبيها: لما قبض رسول الله
صلى الله عليه وسلم
اشرأب النفاق وارتدت العرب، وعاد أصحاب محمد كأنهم معزى بحظيرة في حفش، علت وسادتها وأرخت ستارتها، فحمدت الله وصلت على نبيه
صلى الله عليه وسلم ، ثم قالت: أبي وما أبيه، والله لا تعطوه الأيدي، ذاك طود منيف، وظل مديد، هيهات، كذبت الظنون، أنجح والله إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتى قريش ناشئا وكهفها كهلا، يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعبها، ويلم شعثها، حتى حليته قلوبها، ثم استشرى في دينه، فما برحت شكيمته في ذات الله حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيي فيه ما أمات المبطلون، وكان غزير الدمعة، وقيذ الجوانح، شجي النشيج، فانصفت عليه نسوان مكة وولدانهم يسخرون منه ويهزءون به:
الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ، وأكبرت ذلك ورجالات قريش، فحنت قسيها، وفوقت سهامها، وامتثلوه غرضا فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة، ومضى على سيسائه، حتى إذا ضرب الدين بجرانه، ورست أوتاده، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا، واختار الله لنبيه
صلى الله عليه وسلم
ما عنده، فلما قبض رسول الله
صلى الله عليه وسلم
اضطرب حبل الدين ومرج أهله، وبغى الغوائل، وظنت رجال أن قد أكثبت نهزها - جمعت فرصها - وتحققت أطماعها، ولات حين يظنون، وأبو بكر الصديق بين أظهرهم فقام حاسرا مشمرا، ونشر الإسلام على عزه، ولم شعثه بطيه، وأقام أوده بثقافته حتى امذقر (تقطع) النفاق بوطأته، فلما انتاش (خلص) الدين بنقشه، وأراح الحق على أهله، وقرت الرءوس في كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، حفرت منيته فسد ثلمته بنظره في الشدة والرحمة، ذاك ابن الخطاب، لله در أم حملته وردت عليه، لقد أوحدت به فديخ الكفرة وفتخها (دوخها وقهرها)، وشرك الشرك شذر مذر، فأروني ماذا ترون، وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذا عدل فيكم؟ أم يوم ظعنه إذا نظر لكم؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ثم التفتت إلى الناس فقالت: سألتكم بالله هل أنكرتم مما قلت شيئا؟ قالوا: اللهم لا.
8 (2) أسرته
تزوج أبو بكر امرأتين في الجاهلية، وثلاثا في الإسلام، فأول امرأة تزوجها في الجاهلية هي قتيلة بنت عبد العزى بن عبد بن أسعد بن جابر، فولدت له أكبر أولاده: «عبد الله» و«أسماء»، ثم تزوج أم رومان بنت عامر بن عميرة فولدت له «عائشة» و«عبد الرحمن»، وتزوج في الإسلام أسماء بنت عميس، وكانت قبله تحت جعفر بن أبي طالب، فولدت له «محمدا»، ثم تزوج حبيبة بنت خارجة بن زيد، فولدت له بعد وفاته «أم كلثوم».
أما ابنه عبد الله فهو أكبر أولاده، أسلم مع أبيه مبكرا، وشهد فتح «مكة» و«حنينا» و«الطائف» مع النبي