تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد .

ثم مات رضوان الله عليه وله ثلاث وستون سنة، وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال، ولما بلغ النعي أباه وكان بمكة، فقال: رزء جليل، ولم يعش بعده إلا قرابة نصف سنة وله سبع وتسعون سنة.

4

ولما بلغ أهل المدينة نبأ موته ارتجت له أحياؤها بالبكاء كيوم قبض رسول الله، ورثاه عمر وعلي وعثمان وعائشة للناس. ومما قالته عائشة على القبر: نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك؛ فقد كنت للدنيا مذلا بإعراضك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها، ولئن كان أجل رزء بعد رسول الله

صلى الله عليه وسلم

رزؤك، وأعظمها فقدك، إن كتاب الله ليعد بالعزاء عنك، حسن العوض منك، فأنا أنتجز من الله موعده فيك بالصبر عليك، وأستعيضه منك بالدعاء لك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعليك السلام ورحمة الله، توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك.

5 (1) مناقبه

كان أبو بكر من أفاضل رجال قريش عقلا وعلما، وكان رسول الله يقدر ذلك فيه حتى قال مرة لحسان: إيت أبا بكر ، فإنه أعلم قريش بأنسابها حتى يمحص لك نسبي. وقال علي عليه السلام: كان أبو بكر مقدما في كل خير، وكان رجلا نسابة، وكان يفتي ويشير بمحضر رسول الله فيقر الرسول فتاواه وشوراه، وكان الرسول يشهد له في كثير من المواطن بمناقبه الحميدة وحسن خلقه وسعة صدره وأخلاقه في حبه وحب الإسلام وتفانيه في ذلك، وفي كتب السنة والسيرة والمناقب كثير من الأحاديث والأخبار الموثوقة التي تشير إلى فضله وتعدد مزاياه ومناقبه، فمن ذلك قوله

صلى الله عليه وسلم : «أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط، فاعرفوا ذلك له.» وقوله

صلى الله عليه وسلم : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر.» وقوله

صلى الله عليه وسلم : «نعم الرجل أبو بكر!» وروت عائشة أن أبواب داره

صلى الله عليه وسلم

كانت مفتحة، فأمر بها فسدت، غير باب أبي بكر، فقال: «سدوا أبوابنا غير باب أبي بكر.» وبلغه

صلى الله عليه وسلم

كلام بعضهم في ذلك، فقام فيهم خطيبا فقال: «أتقولون سد أبوابنا وترك باب خليله؟ ولو كان لي منكم خليل كان هو خليلي، ولكن خليلي الله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ فقد واساني بنفسه وماله، وقال لي: صدقت، وقلتم: كذبت.»

6

وكان النبي الكريم يقدر بلاء أبي بكر في خدمة الإسلام في أيامه الأولى، ويذكر دوما فضله وحسن صحبته وبذله، ويقول: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر.» فلما سمع أبو بكر ذلك بكى، وقال: ما أنا ومالي إلا لك يا رسول الله، وقال

صلى الله عليه وسلم : ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا يكافيه الله بها.

وعن عائشة، قالت: أنفق أبو بكر على النبي أربعين ألفا.

7

وروى عروة أنه أعتق سبعة ممن كانوا يعذبون في الله، منهم: بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وزبيرة، وأم عبيس، والنهدية، وابنتها، وجارية بن عمرو بن مؤمل، وكانوا كلهم من الأرقاء الذين أسلموا في الصدر الأول فأخذ أسيادهم يعذبونهم، فبلغ أبا بكر ذلك فاشتراهم وأعتقهم في سبيل الله. وأبرز ما ينبغي ذكره في مناقبه رضي الله عنه: شجاعته الخارقة وقت الأزمات؛ فقد كان لموقفه يوم بدر أثر حميد في تثبيت الإسلام، فقد دافع عن الرسول دفاع المستميت وحماه من سيوف المشركين، وكذلك كان لموقفه يوم الحديبية، فقد أبى أن يخضع لقريش.

وأجل موقف تظهر فيه قوة شجاعته وثباتة موقفه يوم موت رسول الله كما رأينا؛ فقد اضطرب المسلمون كلهم لذلك حتى عمر، ولولا أبو بكر لطاش سهم الناس، واختل أمر الإسلام، ولكن عقل أبي بكر وثباته هما اللذان وطدا أمر الإسلام وقضيا على روح الفوضى التي كادت أن تطغى يومئذ، وما موقفه يوم ارتدت العرب بعد موت الرسول بأقل من موقفه يوم مات، فلولاه لانهدم ركن من أركان الإسلام، ولكن عزمه الصادق ومحافظته على التقيد بأحكام الدين وحفظ سنن سيد المرسلين قد دفعاه إلى قتال المرتدين والمتقلبين، وبعث جيش أسامة لغزو الشام، وما كان أحد غير الصديق يقف بوجه تلك الصدمات ويتغلب عليها بإيمانه وإخلاصه وقوته وجده وعقله.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٢٧