توطئة عن بلاد الشام في أواخر عهد البيزنطيين
كانت بلاد الشام تحت السيطرة البيزنطية، وكانت في أواخر عهدهم في حالة سيئة من النواحي الاقتصادية والسياسية والدينية، وكان السكان يلاقون ويلات جساما من الطغاة البيزنطيين. وقد أحس جيرانهم الفرس بفساد البلاد فأخذوا يشنون عليها الغارة تلو الغارة للسيطرة عليها ووضعها تحت حمايتهم، وقد كان الربع الأول من القرن السابع الميلادي فترة مشئومة على بلاد الشام؛ لأنها أصبحت ميدانا للحروب بين الفرس والروم، وقد رأى عاهلا المملكتين أن يضعا حدا لتلك الحروب، فعقد «شيرويه» إمبراطور الفرس صلحا مع «هرقل» إمبراطور الروم في سنة 628م، ورد إليه جميع من كانوا في حوزته من أسرى الروم، كما أعاد إليه خشبة الصليب المقدس التي كان القائد الفارسي «سربار» أخذها في حملته على القدس في سنة 614م، وقد استبشر الروم بعودة خشبة الصليب المقدس كثيرا، واحتفلوا بذلك احتفالات باهرة وبالغوا في تكريم هرقل الذي تم ذلك على يديه، فأدخلوه القسطنطينية في مظهر بهيج واحتفال كبير، ورأى هرقل أن يزور القدس ليشكر الله على تلك النعمة، واتخذ يوم الرد عيدا كنسيا ما يزال النصارى في سورية من روم وموارنة يحتفلون به في كل يوم 14 أيلول.
19
ولما دخل هرقل القدس طرد جميع من فيها من اليهود وحرم عليهم أن يقربوا منها، وأن تكون مسافتهم بعيدة عنها ثلاثة أميال، وهكذا استطاع هرقل أن يعيد إلى البلاد بعض هدوئها وطمأنينتها، ولكنه ما عتم أن انغمس في اللهو والعسف؛ فقد اتخذ مدينة حمص الجميلة مباءة للهوه وفسقه، وعاد الناس يقاسون منه ومن حكامه ما كانوا يلاقون منهم من ذي قبل، وبينما كان أهل الشام يعانون الويلات من فساد الإدارة البيزنطية على يد هرقل وعصابته إذا هم يسمعون بأنباء السيل الإسلامي العربي في جنوب بلاد الشام أواخر عهد رسول الله محمد
صلى الله عليه وسلم
وأوائل عهد خليفته أبي بكر الصديق، ولم يكن أهل الشام والبيزنطيون يظنون أن وراء ذلك السيل الإسلامي العربي أهدافا عميقة، بل ظنوا أنه كبعض غارات البدو والأعراب الذين كانوا يشنون أمثال هذه الغزوات في بعض السنوات.
قال المطران الفاضل الدبس في «تاريخ سورية»: إن هرقل عاد بعد انتصاره على الفرس إلى ترفه وانغماسه بملاذه، وأتى حمص التي كان يؤمها يومئذ محبو الترف وترويح القلوب، وكان ذلك في مبادئ خلافة أبي بكر الصديق، وكان العرب يشنون الغارة على سورية فيزدريهم هرقل، ويحسب أنهم لا يطمعون بمناوأة من قهر الفرس، ورأى أبو بكر فتح سورية متيسرا، فجهز عسكرا وخطب فيهم عند سفرهم قائلا: إذا لقيكم العدو فقاتلوه مستبسلين، والموت أولى بكم من القهقرى، وأمر أبا عبيدة على الجيش، وكان عشرين ألف مقاتل، ولما سمع هرقل أخبار حملة العرب أتى إلى دمشق وبعث «سرجيوس» والي قيصرية بخمسة آلاف جندي ليوقف العرب عن المسير ويقاتلهم إذا اضطر إلى قتالهم فلم يكن مفر من القتال، ومحق العرب جنوده القلائل وأخذوه أسيرا ثم أماتوه وأحرزوا غنائم وعادوا.
20
توطئة عن الأعمال العسكرية في الشام
كان الرسول الكريم أول من فكر في فتح الشام؛ فقد رأينا أنه كتب إلى أمراء عرب الشام يدعوهم إلى الإسلام، كما بعث في جمادى الأول من السنة الثامنة مولاه زيد بن حارثة في ثلاثة آلاف مقاتل، ووجهتهم «مؤتة» - وهي أول مدينة سورية تتاخم الجزيرة العربية - ولما وصل «معان» علم أن الروم قد عبئوا له جيشا عظيما بقيادة هرقل، وأنهم قد نزلوا مآب «موآب» من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم والعرب اللخميين وجذام وبلقين وبهراء وبلي، فأقام زيد بن حارثة في «معان» يومين، ثم تذاكر مع صحبه في أمر الروم وجموعهم، فقال بعضهم: نكتب إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم