تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، وأبى آخرون أن يكتبوا إليه

صلى الله عليه وسلم

لما في ذلك من إظهار الخوف، ومن هؤلاء: عبد الله بن رواحة الشاعر؛ فقد شجع الناس وقال لهم: يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة من أجله، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهوره وإما شهادة، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، وفي ذلك يقول رضي الله عنه:

فلا وأبي مآب لنأتينها

وإن كانت بها عرب وروم

بذي لجب كأن البيض فيه

إذا برزت قوانسها النجوم

فعبأنا أعنتها فجاءت

عوابس والغبار لها بريم

فمضى الناس، والتقوا بالروم عند «مؤتة»، فأظهر المسلمون جرأة ما بعدها جرأة حتى قتل زيد وهو يحمل الراية التي عقدها رسول الله له، فتناولها جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وقاتل عنها حتى إذا اشتد القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى قتل، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد وينشد، ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل، فأخذ الراية ثابت بن أرقم العجلاني، فقال: يا معشر الناس، اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، فلما أخذ خالد الراية دافع القوم ثم انحاز وتحيز عنه حتى انصرف بالناس وانكفأ راجعا، ولولا دهاؤه وبراعته لأتى الروم على كل جيش المسلمين، ولكن الله سلم، ولما دنا الجيش من المدينة تلقاه الرسول والمسلمون، ولقيهم الصبيان ينشدون، ورسول الله مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر (رضي الله عنه)، فأتي بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، وجعل الناس يحثون التراب على الجيش ويقولون: يا فرار، يا فرار، فقال رسول الله: ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار في سبيل الله إن شاء الله.

21

ولم يكد الرسول يستقر بعد فتح مكة والطائف حتى أخذ يعد العدة من جديد لغزو الشام والانتقام مما لقي المسلمون يوم «مؤتة»، ثم استنفر الناس لقتال الروم، وقد كان ذلك زمن عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار وأحبت الظلال، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه،

22

ولكن هذا كله لم يعق بين المسلمين وبين تلبية أمر المطاع الأمين

صلى الله عليه وسلم ، فلبوا دعوته وجمعوا لهذه الغزوة الأموال الكثيرة، وأنفق كبار أغنياء الصحابة أموالا جساما؛ فعثمان بن عفان أنفق في ذلك اليوم نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته، وكذلك فعل عبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد. ولما استتب برسول الله سفره وتم له ما يحتاج إليه في غزوته هذه وعزم على السفر، خلف عليا في أهله، واستخلف سباع بن عرفطة على المدينة، وسار في ثلاثين ألف مقاتل، ومر بالحجر حتى أتى «تبوك»، فلما وصلها أراح الجند وأخذ يستعد للقاء عدوه، فلما استقر هناك علمت أمراء النواحي العربية بمقدمه وعدده، فتوافدت عليه، وأول من قدم عليه «يحنة بن رؤبة» صاحب «أيلة»، فصالح رسول الله وأعطاه الجزية، ثم جاء أهل «جرباء» و«أذرح» فأعطوه الجزية، وكتب لكل كتابا.

ثم إن الرسول بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي أمير «دومة الجندل»، فلما قدم عليه صالحه وجاء به إلى رسول الله، فحقن دمه وخلى سبيله، ولم يقم الرسول في تبوك إلا بضع عشرة ليلة قفل بعدها إلى المدينة، ولم يستقر طويلا حتى أخذ يعد العدة ليبعث بأسامة بن زيد إلى الشام، وكان من أمره ما ذكرناه سابقا. ولما انتقل الرسول

صلى الله عليه وسلم

إلى الرفيق الأعلى واستخلف أبو بكر وأنفذ جيش أسامة فدخل الشام، ونفذ ما كان أمره به الرسول، رجع سالما غانما، ثم كان من أمر الردة ما ذكرناه. (4) تفصيل الأعمال العسكرية في عهده

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٢٣