ثم قصد خالد الفراض، وهي تخوم الشام والعراق، وكان الوقت صيفا والحر شديدا والشهر رمضان، فأفطر خالد وأفطر المسلمون في تلك السفرة التي تواصلت فيها الغزوات وتوالت الفتوح، فلما بلغ الروم في الشام خبر قدومه عليهم اتفقوا هم والفرس المقيمين على الحدود أن يبلغوا خالدا وصحبه ويعملوا على الفتك به وتشتيت جمعه؛ فقد اغتاظوا من مقدمه غيظا شديدا، فجمعوا له الجموع واستمدوا بني تغلب وإياد والنمر، فأمدوهم، وحجز الفرات بين الطرفين فقال بعضهم لبعض: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال خالد: بل اعبروا إلينا، فقالوا: تنحوا حتى نعبر، فقال خالد: لا نفعل، ولكن اعبروا أسفل منا، فعبروا إليه واقتتل الجانبان قتالا عظيما، واستطاع خالد أن يفرق جمعهم ويقتل منهم جمعا كبيرا، ويقال إن قتلى المشركين يوم الفراض كان مائة ألف.
16
ومهما كان العدد مبالغا فيه فإنه يدل على كثرة القتلى من الفرس والروم والعرب، وقد كانت المعركة في أواخر ذي القعدة سنة 12ه.
ولما أتم الله لخالد فوزه أذن للجيش في الرجوع إلى الحيرة، فجعل على الجيش عاصم بن عمرو، وأظهر أنه سيظل في الساقة، ولكنه مضى في نفر قليل من أصحابه إلى مكة يريد الحج في طريق غير مطروقة، فأتم حجه ورجع مسرعا إلى الحيرة فتلقى كتابا من أبي بكر يأمره بالتوجه إلى الشام.
17
أما بعد، فهذه فتوح سيف الله في العراق، وهي - كما رأينا - فتوح خاطفة، فاز بها المسلمون بفضل عزم خالد وحنكته العسكرية وجرأته؛ فقد كان يقود الجيوش ويتقدمها بنفسه، ويبارز قواد خصومه فيفتك بهم ويشتت جموعهم. ومما هو جدير بالذكر أن العراق لم يكن غريبا عن المسلمين؛ فإن كثيرا منهم زاروه في الجاهلية واتصلوا بأعرابه وتاجروا إليهم. وقد كان العرب المقيمون فيه من بني تغلب وبكر وربيعة ذوي صلات بعرب الحجاز ونجد لعلاقاتهم الاقتصادية والدينية الجاهلية، وكان المظنون أن هؤلاء العرب سيقفون مع إخوانهم من عرب الحجاز ضد الفرس لجامعة اللغة ورابطة الدم، ولكن الفرس تمكنوا من اجتذابهم إليهم ظنا منهم أنهم سيفيدونهم في تشتت شمل المسلمين، ولكن خاب ظنهم فانكسروا هم وحلفاؤهم أمام الفتح الإسلامي الكاسح. ولا عجب في ذلك؛ لأن جيش خالد كان مؤلفا من خير قبائل العرب، بل من أفاضل المهاجرين والأنصار الذين أبلوا أفضل البلاء في غزوات النبي الكريم وحروب الردة ممن لم يدخل في قلوبهم زيغ ولا مرض، ولا اعتورهم شك في صدق الدعوة الإسلامية والتفاني في نشر لوائها عاليا والاندفاع في الحماسة لها؛ فقد كان في جيش خالد جماعة من كبار الصحابة والقراء، وكان خالد يعتز بهم ويفخر بقيادتهم، ويسأل الله دوما أن ينصره ببركتهم.
ولما بعث إليه أبو بكر يعفيه من قيادة العراق وأمره أن يستخلف المثنى بن حارثة الشيباني ويتوجه إلى الشام أحضر خالد صحابة رسول الله الذين كانوا في جيشه وأراد الانفصال بهم إلى الشام، فلم يقبل المثنى بن حارثة، وقال لخالد: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر في استصحاب نصف الصحابة.
18
وقد كان لهؤلاء الصحابة الكرام، فضلا عن الفتح المادي للعراق، فتح روحي؛ فقد عملوا على نشر مبادئ الإسلام في المواطن التي حلوا فيها منذ زمن مبكر جدا. ويظهر أن قسما كبيرا من العرب وبعض الفرس - المقيمين في العراق - قد أعلنوا دخولهم في الإسلام، ولم يستقم على النصرانية إلا تغلب أو بعضها ونفر من تنوخ وإياد.
ويحدثنا الطبري أن خالدا حين ندب إلى الشام استخلف المثنى بن حارثة على من أسلم بالعراق من ربيعة وغيرهم، ولما سار خالد إلى الشام خرج المثنى من الحيرة حتى أتى بابل، فلقيه جيش هرمز في جيش كبير من الفرس واقتتلا قتالا شديدا وانهزم هرمز، وبلغت أخباره مسامع الملك «شهريران بن أردشير»، فاغتم لذلك أشد الغم، ثم إنه مرض ولم يطل عهده حتى مات، وكثرت الاختلافات الداخلية في بلاده، وصار غربي الفرات كله تحت السيطرة الإسلامية فانشغلوا عن المسلمين. ولما تم للمثنى فتح بابل ونشر سلطانه على ما بقي من أراضي العراق معه تأخر عليه رسل أبي بكر، فاستخلف على جيشه بشير بن الخصاصية وتوجه إلى المدينة يستأذن أبا بكر في الاستعانة بمن حسنت سيرته من أهل الردة، فلما وصل المدينة وجد أن أبا بكر قد مرض، فلما دخل على أبي بكر رحب به، وقال لعمر: إني لأرجو أن أموت يومي هذا، فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلكم مصيبته عن أمر دينكم ووصية ربكم؛ فقد رأيتني يوم وفاة رسول الله وما صنعته، وما أصيب الخلق بمثله، وإذا فتح الله على أهل الشام فاردد أهل العراق إلى عراقهم، فإنهم أهله وولاة أمره، وأهل الجرأة عليهم. ثم توفاه الله فعمل عمر بوصيته كما سنرى تفصيله بعد في الفصل الخاص بعهد عمر (رضي الله عنه). (3-2) فتوح الشام