13
وقعة عين التمر
لما فرغ خالد من فتح الأنبار ورتب أموره فيها استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقصد لعين التمر، وفيها يومئذ «مهران بن بهرام جوبين» في جمع عظيم من الفرس، وجمع من العرب من بني التمر وتغلب وإياد عليهم عقة بن أبي عقة، فلما سمع المشركون بقدوم خالد إليهم قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب، فدعنا وخالدا، فقال له: صدقت، دونكموهم، وإن احتجتم إلينا أعناكم، فلما مضوا نحو خالد قالت الأعاجم لبهرام: ما حملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب؟ فقال: دعوني فإني لم أرد إلا ما هو خير لكم وشر لهم، إنه قد جاءكم من قتل ملوككم فاتقيته بهم، فإن كانت لهم على خالد فهي لكم، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعفون. فاعترفوا له بفضل رأيه.
ثم إن عقة سار للقاء خالد، وبقي مهران في حصن عين التمر، ولما التقى الجمعان برز خالد لعقة فأخذه أسيرا وانهزمت صفوفه ووقع كثير منهم في الأسر، فلما بلغت هذه الأخبار أذن مهران ترك حصنه وفر في جنده، فدخل خالد الحصن وضرب أعناق أهل الحصن كما ضرب عنق عقة وأعناق جماعته من مشركي العرب الذين ناصروا الفرس ليؤدب بهم سائر العرب، وغنم كثيرا وسبى كثيرا، وكان فيمن وقع أسيرا: نصير أبو موسى بن نصير، وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وسيرين أبو محمد بن سيرين، ثم إن خالدا بعث بالمغانم والخمس والسبايا إلى أبي بكر مع الوليد بن عقبة.
14
معارك دومة الجندل والحصيد وخنافس والمصيخ
استخلف خالد في عين التمر عويم بن الكاهل الأسلمي، وسار هو منجدا عباس بن غنم الذي لقي عنتا من أهل دومة الجندل ومن حولها من قبائل: بهراء وغسان وتنوخ والضجاغم، فلما بلغهم خبر مقدمه اجتمعوا فتشاوروا، فقال أكيدر بن عبد الملك أحد رؤسائهم: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيمن منه طائرا في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوه. وقال الجودي بن ربيعة ووديعة الكلبي وابن رمانس الكلبي: لا بد من قتاله. وأخذوا يعدون عدتهم حتى قدم عليهم فقاتلوه وقاتلهم، فهزمهم وضرب عنق الجودي، ثم أقام بدومة، وأرجع أحد قادته وهو الأقرع بن حابس إلى الأنبار.
ولم يلبث أعراب الجزيرة والفرات ودجلة الذين قتل إخوانهم في عين التمر ودومة الجندل إلا أن تجمعوا وتحالفوا على خالد انتقاما لعقة وغيره من وجوه العرب الذين قتلهم خالد، فاتخذوا منطقتي الحصيد وخنافس مكانا يجتمعون فيه ليهاجموا خاعلى السفر، كما أمره ألا يقبللدا في دومة، فلما تم جمعهم وانضم إليهم «روزبة» و«زرمهر» من قواد الفرس وسمع بذلك القعقاع خليفة خالد في الحيرة، فأرسل سريتين حالتا بين المشركين وبين الريف.
ثم قدم خالد إلى الحيرة، عندما بلغه الخبر، فبعث القعقاع وأبا ليلى بن فدكي ليلاقيا المشركين، فالتقى الجمعان وقتل من الفرس مقتلة عظيمة، وقتل القائدان «روزبة» و«زرمهر»، وغنم المسلمون مغانم كثيرة جليلة، وتجمع فلال الفرس إلى المصيخ، وكان به بعض العرب، فكتب خالد إلى القعقاع وأبي ليلى بن فدكي أن يلاقياه على المصيخ في ساعة حددها لهم، فلما اجتمعوا هاجموا المشركين من العرب والعجم فغلبوهم، وأتم الله نصره لجنده.
15
معارك الثني والفراض وسائر الجزيرة
بعد أن تم لخالد نصره في المصيخ سار نحو ربيعة بن بجير التغلبي، وقومه من بني تغلب النازلين في بلاد الثني والبشر «ويسمى الزميل» أيضا، فأحاط بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم مغانم كثيرة ولم يكد يفلت منهم أحد، وكان خالد قد أقسم أن يبغتن تغلب في دارها ويفتك بها إن هي رفضت الإسلام. ثم إنه بعث بالخمر والسبايا إلى أبي بكر مع النعمان بن عوف الشيباني وقسم النهب والسبايا، فاشترى الإمام علي بن أبي طالب بنت ربيعة بن بجير الثعلبي واستولدها، فولدت له عمر ورقية.