تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

وفي وقائع الحيرة وما سبقها من الفتوح يقول القعقاع بن عمرو الشاعر:

سقى الله قتلى بالفرات مقيمة

وأخرى بأثباج النجاف الكوانف

فنحن وطئنا بالكواظم هرمزا

وبالثني قرني قارن بالجوارف

ويوم أحطنا بالقصور تتابعت

على الحيرة الروعاء إحدى المصارف

حططناهم منها وقد كان عرشهم

يميل به فعل الجبان المخالف

رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا

غبوق المنايا حول تلك المحارف

صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا

إلى الريف من أرض العريب المقانف

12

فتح السواد

لما تم لخالد فتح الحيرة والقصور، دخل الحيرة فصلى صلاة الفتح - وهي ثماني ركعات بتسليمة واحدة - ثم خطب الناس، فحمد الله وشجع المسلمين على الاستمرار في الفتح، وكان مما قاله في ذلك الحين قوله: لقد قاتلت يوم مؤتة فانقطع في يدي تسعة أسياف، ثم صيرت في يدي صفيحة يمانية، فما زالت معي، وما لقيت قوما كقوم لقيتهم من أهل فارس، وما لقيت من أهل فارس قوما كأهل «أليس».

ثم إنه بعث المقداد إلى ضواحي السواد، فعلم بذلك زعماؤها، فتقاطروا إليه يعلنون خضوعهم، وكان أول القادمين دهاقين الملطاطين، والدهقان زادن بن بهيش، ودهقان فرات سربا، فصالحوه على ما بين «الفلاليج» إلى «هرمز جرد» على ألفي ألف درهم، وأن للمسلمين ما كان لكسرى، وكتب لهم كتابا هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاد بن بهيش وصلوبا بن نسطوتا، إن لكم الذمة وعليكم الجزية، وأنتم ضامنون لمن نقبتم عليه من أهل «البهقباذ» الأسفل والأوسط، على ألفي ألف تقبل في كل سنة في كل ذي يد سوى ما على «بانقيا وبسما»، وإنكم قد أرضيتموني والمسلمين، وإنا قد أرضيناكم وأهل «البهقباذ الأسفل» ومن دخل معكم من أهل «البهقباذ الأوسط» على أموالكم، ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن مال ميلهم . وشهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحميري، وبشير بن عبيد الله بن الخصاصية، وحنظلة بن الربيع، وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر.»

ثم بعث خالد عماله إلى أراضي السواد لينظموا أموره، كما بعث إلى أمراء فارس كتابا هذه صورته: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فالحمد لله الذي حل نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، ولو لم نفعل ذلك كان شرا لكم، فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.»

وكتب إلى المرازبة كتابا هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فالحمد لله الذي فض حدتكم، وفرق كلمتكم، وجفل كرمكم، وكسر شوكتكم، فأسلموا تسلموا، وإلا فاعتقدوا في الذمة وأدوا الجزية، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون شرب الخمر.» وبعث خالد هذه الرسائل وأخذ يعد العدة ويرتب أموره، وبينما هو منصرف إلى ذلك جاءه خبر الحرب الأهلية تقع بين الفرس بعد موت ملكهم «أردشير» واختلاف أمراء البيت المالك فيما بينهم، فلما وصلتهم كتب خالد اجتمع الأمراء واتفقوا على تولية «فرخ زاد» والتفوا حوله، فأخذ ينظم أمورهم ويرتب جيوشهم لعله يستطيع أن يوقف الزحف الإسلامي المنحدر نحوهم.

فتح الأنبار

علم خالد بأن الفرس أخذوا يرتبون جيوشهم لوقف زحفه، فخرج بنفسه على رأس جيش كثيف يريد الأنبار، فلما وصلها تحصن صاحبها «شير زاد» بقلاعها وخندقها، فأحاط المسلمون بخندق المدينة وأخذوا يرامون المشركين، فقال خالد: إني أرى أقواما لا علم لهم بالحرب، فارموا عيونهم ولا تتوخوا غيرها، فأخذ المسلمون يرمون عيون المشركين ففقئ أكثر من ألف عين، حتى سميت تلك الوقعة: وقعة «ذات العيون»، وتصايح القوم: «ذهبت عيون أهل الأنبار».

ثم هجم المسلمون على المدينة والتقوا بالمشركين عند الخندق، واشتد القتال وأحس المشركون بالفشل والانخذال، فطلب «شير زاد» من خالد أن يصالحه، فرفض الصلح وأبى إلا احتلال المدينة، فقاتل المشركون أشد قتال، فنحر خالد ضعاف إبل حبيشة ورماها في الخندق، ودخل الجانب الآخر من الخندق، ولما رأى «شير زاد» أن لا قبل له بخالد صالحه على ما أراد على أن يخلي سبيله ويلحقه بمأمنه، وألا يأخذ معه شيئا من المال والمتاع، فقبل خالد وخلى سبيله، فنجا «شير زاد» بنفسه ولحق ببهمن.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١٩