عباد الله، إنكم - وما تأملون من هذه الدنيا - أثوياء مؤجلون، ومدينون مقتضون، أجل منقوص، وعمل محفوظ، فرب دائب مضيع، ورب كادح خاسر، وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا، ولا الشر إلا إقبالا، ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعا، فهذا أوان قويت عدته، وعمت مكيدته، وأمكنت فريسته، اضرب بطرفك حيث شئت من الناس، فهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذنه عن سمع المواعظ وقرا! أين خياركم وصلحاؤكم! وأين أحراركم وسمحاؤكم! وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم! أليس قد ظعنوا جميعا عن هذه الدنيا الدنية، والعاجلة المنغصة! وهل خلفتم إلا في حثالة لا تلتقي بذمهم الشفتان استصغارا لقدرهم، وذهابا عن ذكرهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ظهر الفساد فلا منكر مغير، ولا زاجر مزدجر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه! وتكونوا أعز أوليائه عنده! هيهات! لا يخدع الله عن جنته، وتنال مرضاته إلا بطاعته، لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به. (11) ومن كلام له عليه السلام (في وضع المعروف في أهله وغير أهله.)
المعروف في غير أهله
وليس لواضع المعروف في غير حقه وعند غير أهله من الحظ فيما أتى إلا محمدة اللئام، وثناء الأشرار، ومقالة الجهال - ما دام منعما عليهم - ما أجود يده وهو عن ذات الله بخيل!
مواضع المعروف
فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب ابتغاء الثواب، فإن فوزا بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا، ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله. (12) ومن خطبة له عليه السلام
يذكر فيها بديع خلقة الخفاش (ويبتدئها بحمد الله وتنزيهه.)
حمد الله وتنزيهه
الحمد لله الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته، وردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته.
هو الله الحق المبين، أحق وأبين مما ترى العيون، لم تبلغه العقول بتحديد فيكون مشبها، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثلا، خلق الخلق على غير تمثيل، ولا مشورة مشير، ولا معونة معين، فتم خلقه بأمره، وأذعن لطاعته، فأجاب ولم يدافع، وانقاد ولم ينازع.
خلقة الخفاش
ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته، ما أن أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء، ويبسطها الظلام القابض لكل حي، وكيف عشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها، وتتصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها، وردعها بتلألؤ ضيائها عن المضي في سبحات إشراقها، وأكنها في مكامنها عن الذهاب في بلج ائتلاقها، فهي مسدلة الجفون بالنهار على أحداقها، وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس أرزاقها، فلا يرد أبصارها إسداف ظلمته، ولا تمتنع من المضي فيه لغسق دجنته، فإذا ألقت الشمس قناعها ، وبدت أوضاح نهارها، ودخل من إشراق نورها على الضباب في وجارها، أطبقت الأجفان على مآقيها، وتبلغت بما اكتسبت من فيء ظلم لياليها، فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا، والنهار سكنا وقرارا! وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران، كأنها شظايا الآذان، غير ذوات ريش ولا قصب، إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاما، لها جناحان لم يرقا فينشقا، ولم يغلظا فيثقلا، تطير وولدها لاصق بها، لاجئ إليها، يقع إذا وقعت، ويرتفع إذا ارتفعت، لا يفارقها حتى تشتد أركانه، ويحمله للنهوض جناحه، ويعرف مذاهب عيشه، ومصالح نفسه، فسبحان الباري لكل شيء على غير مثال خلا من غيره. (13) ومن خطبة له عليه السلام (في عجيب صنعة الكون.)