تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطباقا ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها، فاستمسكت بأمره وقامت على حده، وأرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر، والقمقام المسخر، ذل لأمره، وأذعن لهيبته، ووقف الجاري منه لخشيته، وجبل جلاميدها، ونشوز متونها وأطوادها، فأرساها في مراسيها، وألزمها قرارتها، جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها، فأشهق قلالها، وأطال أنشازها، وجعلها للأرض عمادا، وأرزها فيها أوتادا، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها، أو تزول عن مواضعها، فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها لخلقه مهادا، وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجي راكد لا يجري، وقائم لا يسري، تكركره الرياح العواصف، وتمخضه الغمام الذوارق،

إن في ذلك لعبرة لمن يخشى . (14) ومن وصية له عليه السلام (وصى بها جيشا بعثه إلى العدو.)

فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل الأشراف، أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كيما يكون لكم ردءا، ودونكم مردا، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين، واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، ومناكب الهضاب، لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن، واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة، ولا تذوقوا النوم إلا غرارا أو مضمضة. (15) ومن وصية له عليه السلام (للحسن والحسين، عليهما السلام، لما ضربه ابن ملجم لعنه الله.)

أوصيكما بتقوى الله، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا للحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا.

أوصيكما، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإني سمعت جدكما صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام»، الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله الله في الصلاة، فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

ثم قال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين! ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي.

انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا يمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.» (16) ومن كتاب له عليه السلام (إلى عماله على الخراج.)

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج

أما بعد فإن من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ما يحرزها، واعلموا أن ما كلفتم يسير، وأن ثوابه كبير، ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه، فأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم، فإنكم خزان الرعية، ووكلاء الأمة، وسفراء الأئمة، ولا تحسموا أحدا عن حاجته، ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيعن الناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا عبدا، ولا تضربن أحدا سوطا لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من الناس مصل ولا معاهد إلا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الإسلام، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام فيكون شوكة عليه، ولا تدخروا أنفسكم نصيحة، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرعية معونة، ولا دين الله قوة، وأبلوا في سبيل الله ما استوجب عليكم، فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا، وأن ننصره بما بلغت قوتنا، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١١٨