إنه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه، وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من العيان السماع، ومن الغيب الخبر، واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا، فكم من منقوص رابح، ومزيد خاسر! إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر، وما ضاق لما اتسع، قد تكفل لكم بالرزق، وأمرتم بالعمل، فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله، مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين، حتى كان الذي ضمن لكم قد فرض عليكم، وكان الذي فرض عليكم قد وضع عنكم، فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق، ما فات من الرزق رجي غدا زيادته، وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته، الرجاء مع الجائي، واليأس مع الماضي، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. (7) ومن خطبة له عليه السلام (يوبخ البخلاء بالمال والنفس.)
فلا أموال بذلتموها للذي رزقها، ولا أنفس خاطرتم بها للذي خلقها، تكرمون بالله على عباده، ولا تكرمون الله في عباده! فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم، وانقطاعكم عن أوصل إخوانكم. (8) ومن كلام له عليه السلام (وقد جمع الناس وحضهم على الجهاد فسكتوا مليا.)
فقال عليه السلام: ما بالكم! أمخرسون أنتم؟ فقال قوم منهم: يا أمير المؤمنين، إن سرت سرنا معك، فقال عليه السلام: ما بالكم! لا سددتم لرشد، ولا هديتم لقصد! أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج؟! إنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعانكم، وذوي بأسكم، ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض، والقضاء بين المسلمين، والنظر في حقوق المطالبين، ثم أخرج في كتيبة أتبع أخرى، أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ، وإنما أنا قطب الرحى، تدور علي وأنا بمكاني، فإذا فارقته استحار مدارها واضطرب ثفالها، هذا لعمر الله الرأي السوء، والله لولا رجائي الشهادة عند لقائي العدو - لو قد حم لي لقاؤه - لقربت ركابي، ثم شخصت عنكم فلا أطلبكم، ما اختلف جنوب وشمال، إنه لا غناء في كثرة عددكم مع قلة اجتماع قلوبكم، لقد حملتكم على الطريق التي لا يهلك عليها إلا هالك، من استقام فإلى الجنة، ومن زل فإلى النار. (9) ومن كلامه عليه السلام (قال لأصحابه في ساحة الحرب «بصفين» وفيه يعلم أصحابه فنون القتال وآدابه):
وأي امرئ منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من أحد إخوانه فشلا، فليذب عن أخيه بفضل نجدته التي فضل بها عليه كما يذب عن نفسه، فلو شاء الله لجعله مثله. إن الموت طالب حثيث، لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، إن أكرم الموت: القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش. (منه): وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش الضباب، لا تأخذون حقا ولا تمنعون ضيما، قد خليتم والطريق، فالنجاة للمقتحم والهلكة للمتلوم. (ومنه في حثهم على القتال): فقدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح، فإنه أمور للأسنة، وغضوا الأبصار، فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات ، فإنه أطرد للفشل، ورايتكم فلا تميلوها ولا تخلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، والمانعين الذمار منكم؛ فإن الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفون براياتهم، ويكتنفون حفافيها: وراءها وأمامها، ولا يتأخرون عنها فيسلموها، ولا يتقدمون عليها فيفردوها، أجزأ امرؤ قرنه، وآسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة، وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، إن في الفرار موجدة الله، والذل اللازم، والعار الباقي، وإن الفار لغير مزيد في عمره، ولا محجوز بينه وبين يومه، الرائح إلى الله كالظمآن يرد الماء، الجنة تحت أطراف العوالي، اليوم تبلى الأخبار، والله لأنا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم، اللهم فإن ردوا الحق فافضض جماعتهم، وشتت كلمتهم، وأبسلهم بخطاياهم، إنهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك، يخرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام، ويطيح العظام، ويندر السواعد والأقدام، وحتى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر، ويرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب، وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، وحتى تدعق الخيول في نواحر أرضهم، وبأعنان مساربهم ومسارحهم. (10) ومن خطبة له عليه السلام (في ذكر المكاييل والموازين.)