تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات، ويصمه كبيرها، ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره باطن، وكل باطن غيره غير ظاهر، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوف من عواقب زمان، ولا استعانة على ند مثاور، ولا شريك مكابر، ولا ضد منافر، ولكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون، لم يحلل في الأشياء فيقال: هو كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن، لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما ذرأ، ولا وقف به عجز عما خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر، بل قضاء متقن، وعلم محكم، وأمر مبرم، المأمول مع النقم، والمرجو من النعم. (4) ومن كلام له عليه السلام (يحرم تعلم التنجيم.)

قال لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن سرت في هذا الوقت خشيت ألا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم.

قال عليه السلام: أتزعم أنك تهدي إلى الساعة من سار فيها صرف عنه السوء؟ وتخوف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر؟ فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن، واستغنى عن الإعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه، وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه؛ لأنك - بزعمك أنت - هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر!

ثم أقبل عليه السلام على الناس فقال: أيها الناس، إياكم وتعلم النجوم إلا ما يهتدى به في بر أو بحر، فإنها تدعو إلى الكهانة، والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله. (5) ومن خطبة له عليه السلام (يقرر فضيلة الرسول الكريم.)

بعثه والناس ضلال في حيرة، وخابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر، وبلاء من الجهل، فبالغ صلى الله عليه وآله في النصيحة، ومضى على الطريقة، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة. (6) ومن خطبة له عليه السلام (وفيها مواعظ للناس.)

الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر، نحمده على آلائه، كما نحمده على بلائه، ونستعينه على هذه النفوس البطاء عما أمرت به، السراع إلى ما نهيت عنه، ونستغفره مما أحاط به علمه، وأحصاه كتابه، علم غير قاصر، وكتاب غير مغادر، ونؤمن به إيمان من عاين الغيوب، ووقف على الموعود، إيمانا نفى إخلاصه الشرك، ويقينه الشك، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، شهادتين تصعدان القول، وترفعان العمل، لا يخف ميزان توضعان فيه، ولا يثقل ميزان ترفعان عنه.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المعاد: زاد مبلغ، ومعاد منجح، دعا إليها أسمع داع، ووعاها خير واع، فأسمع داعيها، وفاز واعيها.

عباد الله، إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم، فأخذوا الراحة بالنصب، والري بالظمأ، واستقربوا الأجل فبادروا العمل، وكذبوا الأمل، فلاحظوا الأجل، ثم إن الدنيا دار فناء وعناء، وغير وعبر، فمن الفناء: أن الدهر موتر قوسه، لا تخطئ سهامه، ولا توسى جراحه ، يرمي الحي بالموت، والصحيح بالسقم، والناجي بالعطب، آكل لا يشبع، وشارب لا ينقع؛ ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله تعالى لا مالا حمل، ولا بناء نقل. ومن غيرها ترى أن المرحوم مغبوط، والمغبوط مرحوم، ليس ذلك إلا نعيما ذل، وبؤسا نزل. ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله، فيقطعه حضور أجله، فلا أمل يدرك، ولا مؤمل يترك؛ فسبحان الله ما أغر سرورها! وأظمأ ريها! وأضحى فيئها! لا جاء يرد، ولا ماض يرتد؛ فسبحان الله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به! وأبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه!

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١١٥