صلى الله عليه وسلم ، فكتب إلى من بقي على الإسلام من أهل اليمن يأمرهم بمحاربته والتحريض على قتله.
وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بعد موت باذان الفارسي الذي استعمله على اليمن بعد إسلامه قد قسم اليمن في سنة 10ه إلى مقاطعات، جعل على كل مقاطعة أميرا، ففي صنعاء: «شهر بن باذان»، وفي مأرب: «أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري»، وفي بلاد همدان: «عامر بن شهر الهمداني»، وفي زبيد وبلاد عك والأشعريين: «الطاهر بن أبي هالة»، وفي نجران وزمع: «خالد بن سعيد بن العاص»، وفي نجران: «عمرو بن حزم»، وفي حضرموت: «زياد بن لبيد البياضي»، وفي بلاد السكاسك والسكون شمال حضرموت: «عكاشة بن ثور»، وفي بلاد بني معاوية: «المهاجر بن أبي أمية»، وفي الجند: «يعلى بن أمية».
وجعل معاذ بن جبل معلما ومفتيا للجميع ينتقل في كل بلد، فلما أظهر الأسود دعوته وأجابته بنو مذحج، وثب على نجران وأخرج عامليها: خالد بن سعيد، وعمرو بن حزم؛ فلحقا بالمدينة، ثم سار الأسود في سبعمائة من جماعته إلى صنعاء فقتل صاحبها شهر بن باذان، واستولى على المدينة، وتزوج بامرأته، ثم استولى على ما بين صنعاء وحضرموت من الجنوب إلى أعمال طائف من الشمال إلى البحرين من الشرق. وعظم أمره حتى هدد أكثر أمراء اليمن، وكاد يفتك بمعاذ بن جبل، فهرب منه حتى أتى أبا موسى الأشعري وهو ببلاد مأرب، فخرج معه وأتيا حضرموت، فنزل معاذ في السكاسك، ونزل أبو موسى في السكون، وأقام الطاهر بن أبي هالة ببلاد عك.
فلما بلغت هذه الأنباء مسامع رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أرسل إلى من بقي في اليمن من أمراء المسلمين والأبناء أن يجتمعوا على قتاله وقتله إما غيلة وإما مصادمة، فقام بذلك من الأبناء: فيروز، وداذويه، ومعاذ، والطاهر، وجمعوا قواهم واهتموا بقتاله، ثم إنهم اتفقوا مع امرأته التي كانت تحت شهر بن باذان فسهلت لهم الوصول إليه، ودخل عليه فيروز فقتله ليلا، ولما أصبح فيروز نادى بشعار المسلمين، وهو الأذان، فوقعت الفتنة وانقسم الناس قسمين: قسما ظل على ردته، وقسما رجع إلى الإسلام، وتقاتل الفريقان، لكن الغلبة كانت للمسلمين، فرجع عمال رسول الله إلى بلادهم، وأقام معاذ بن جبل في صنعاء يصلي بالناس.
وبعثوا وفدا إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ينبئه بما جرى، فلم يصل الوفد إلى المدينة حتى علم بوفاة الرسول، وكانت هذه أول بشارة قدمت على أبي بكر الصديق،
5
ولما بلغت أهل اليمن وفاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قوي عزم من أبطن الكفر، وأعلنوا خروجهم على الإسلام بزعامة أحد قادة الأسود وهو «قيس بن عبد يغوث»، فأخذ يكاتب المنهزمين من جماعات الأسود، فانضووا تحت لوائه، وأراد الفتك بزعماء أهل اليمن فدعاهم إلى وليمة وهو يبطن الغدر بهم، وكان فيهم «فيروز» و«داذويه» و«جشيش» من الأبناء، فظفر بداذويه ونجا الآخران، فخرج قيس في أثرهما، فاحتميا بقبيلة حولان فحمتهما، واضطر قيس على الرجوع، فاحتل صنعاء واتخذها له مقرا، ففتك بأهلها وطرد من فيها من عيالات الأبناء وشردهم فهربوا في البر والبحر، وانتهب أموالهم وديارهم، فلما علم بذلك فيروز جمع له جمعا واستعان ببني عقيل وعك وسار إليه.
ثم إن أبا بكر سير إليه المهاجر بن أبي أمية، وعكرمة بن أبي جهل، فساعدا فيروز والأبناء على قتال قيس بن عبد يغوث وجنوده حتى انهزموا، وأسرا قيسا وعمرو بن معديكرب الزبيدي الذي كان ارتد وتبع الأسود، فسيراهما إلى أبي بكر، فلما دخلا عليه قال أبو بكر لقيس: يا قيس، قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة دون الله من دون المؤمنين؟ فأنكر قيس أن يكون قد فارق أمرا، كما أنكر أنه قتل داذويه، ولم يكن هناك دليل ظاهر على أنه قتله؛ لأن القتل كان خلسة، فتغاضى له أبو بكر عن دمه، ثم قال لعمرو بن معديكرب: وأنت يا عمرو! أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور؟ لو نصرت هذا الدين لرفعك الله، فقال: لا جرم، لأقبلن ولا أعود، ورجعا إلى عشائرهما مؤمنين صادقين.