وبعث كتابا إلى كل من وجهه إلى قتالهم من المرتدين هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، نقر بما جاء، ونكفر من أبى ونجاهده.
أما بعد: فإن الله تعالى أرسل محمدا بالحق من عنده، إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بإذنه من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعا وكرها، ثم توفي رسول
صلى الله عليه وسلم
وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك، ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال:
إنك ميت وإنهم ميتون ، وقال:
وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ، وقال للمؤمنين:
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .
فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره منتقم من عدوه يجزيه، وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله وما جاء به نبيكم
صلى الله عليه وسلم ، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يعنه الله فهو مخذول، فمن هداه الله كان مهتديا، ومن أضله كان ضالا.
قال الله تعالى:
من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، ولم يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقر به، ولم يقبل منه في الآخرة عدل ولا صرف. وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به؛ اغترارا بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان.
قال الله تعالى:
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ، وقال:
إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير .
وإني بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم، والداعية الأذان، فإن أذن المسلمون فأذنوا، كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا عاجلوهم، وإن أذنوا اسألوا ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا قبل منهم وحملهم على ما ينبغي لهم.»
4
وسير أبو بكر هذه الكتب قبل أن تسير الجيوش، ثم خرجت الجيوش كل أمير إلى جهته. (2-1) أجناس المرتدين وأحوالهم
خبر الأسود العنسي
هو عبهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي الملقب بذي الخمار، كان بطاشا جبارا عاتيا، أسلم لما قدمت وفود المسلمين على النبي
صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه ارتد في أيام النبي
صلى الله عليه وسلم ، فكان أول مرتد في الإسلام، ثم ادعى النبوة وأخذ يعمل المخاريق والأعاجيب، واستهوى نفرا من عوام العرب، واتبعته بنو مذحج، فتملك أكثر جنوبي بلاد العرب، وامتد نفوذه على أعراب تلك الضواحي، وبلغت أخباره إلى رسول الله