ثم إن المهاجر بن أبي أمية أخذ يتتبع جنود الأسود وجماعته بكل مكان ويقتلهم حتى استأصل شأفتهم ولم يبق لهم من أثر، وكانت مدة الأسود منذ أن ظهر إلى أن هلك قرابة أربعة أشهر.
خبر طليحة بن خويلد الأسدي
كان طليحة بن خويلد الأسدي كاهنا طموحا ذكيا، ادعى النبوة في حياة النبي
صلى الله عليه وسلم
وتبعه بعض العرب واليهود، فاتخذ فلطقة (سميراء) من بلاد بني أسد مقرا لحركته، وبلغ أمره النبي
صلى الله عليه وسلم ، فبعث إليه ضرار بن الأزور الأسدي لمقاتلته والقضاء على فتنته، فسار إليه ولم يكد يصل إلى «سميراء» حتى بلغه خبر وفاة النبي الكريم، فرجع.
واستطار أمر طليحة، وانضم إليه جموع من قبائل غطفان وهوازن وغيرهما، وعظم شأنه، فبعث إليه أبو بكر خالد بن الوليد في عدد كبير من مقاتلة المسلمين، فيهم بعض وجوه العرب أمثال عدي بن حاتم الطائي. ولما ساروا واستأذن عدي خالدا أن يتعجل ويدعو قومه إلى الرجوع إلى الإسلام ويتركوا طليحة، فسار إليهم ودعاهم، فأجابوه وتركوا طليحة وانضموا إلى جيش المسلمين، ودعا بني جديلة أحلاف طيء، فتركوا طليحة وانضموا إلى المسلمين.
وسار خالد حتى التقى بجموع بني أسد عند «بزاخة»، فقاتلهم قتالا شديدا، وكان طليحة متلفعا في كساء له بفناء بيته يتنبأ ويتكهن، والناس يقتتلون، فلما اشتد القتال جاء عيينة بن حصن الأسدي زعيم بني أسد إلى طليحة فقال له: هل جاءك جبريل؟ قال: لا، بعد. ثم رجع يقاتل حتى إذا بلغ القتال أشده رجع فسأله: هل جاءك جبريل؟ فقال طليحة: نعم. قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحا كرحاه وحديثا لا تنساه. فقال عيينة: أظن أنه قد علم الله أنه سيكون حديثا لا تنساه. يا بني فزارة هكذا فانصرفوا؛ فهذا والله كذاب. فانصرفوا وانهزم الناس، وقام طليحة فأخذ امرأته النوار وهرب بها حتى لحق بالشام، وارفضت جموعه وتغلب عليهم خالد فأرجعهم إلى حظيرة الإسلام.
إلا نفرا من بني غطفان التفوا حول سلمى بنت مالك بن حذيفة ب «الحوأب»، تزعمتهم وأعلنت ثورتها على الإسلام وأهله، فتوجه إليها خالد في كوكبة من المسلمين فقاتلها، وقتلها وهي راكبة على جمل دونه نحو مائة رجل. وهكذا انتهت الفتنة الأسدية التي شنها طليحة الذي ما علم بانتهاء الفتنة في دياره ودخول قومه في الإسلام حتى رجع فنزل في بني كلب وأعلن الإسلام، ولم يزل مقيما بينهم طول عهد أبي بكر، ثم خرج معتمرا، فقيل لأبي بكر: هذا طليحة، فقال: ما أصنع به؟ خلوا عنه فقد هداه الله للإسلام. ولما توفي أبو بكر وتولى عمر أتاه فبايعه واعتذر، وأبلى بلاء حسنا في فتوح العراق.
خبر مالك بن نويرة التميمي
لما أسلم بنو تميم أمر الرسول
صلى الله عليه وسلم
عليهم ستة من وجوههم، وهم: (1) الزبرقان بن بدر. (2) قيس بن عاصم. (3) صفوان بن صفوان. (4) مالك بن نويرة. (5) سبرة بن عمرو. (6) وكيع بن مالك. فأقاموا في حياة النبي يجيئون بصدقات قومهم إليه وينفذون أوامر الإسلام، إلى أن انتقل النبي إلى جوار ربه، فأعلن مالك بن نويرة ووكيع بن مالك ارتدادهما عن الإسلام، ومنعا إرسال زكاة قومهما إلى أبي بكر، وتبعه بعض قومه، وظل الآخرون على الإسلام، فأخذوا يختصمون فيما بينهم ويتقارعون بالسيوف والحراب.
وبينما هم كذلك جاءتهم سجاح بنت الحارث بن سويد، وهي امرأة داهية نصرانية من بني تغلب، كانت تقيم مع قومها في الجزيرة، فلما علمت بوفاة النبي ادعت النبوة، وتبعها نفر من قومها وأوشاب العرب؛ حتى عظم جمعها، وأرادت أن تغزو أبا بكر في المدينة، فلما وصلت إلى ديار بني تميم دعت مالكا إلى الدخول في دينها، فدخل فيه، ووادعها وثناها عن غزو أبي بكر، وأغراها بقتال مسلمي تميم، فقاتلتهم وهزمتهم، ثم جمعت جموعها وسارت إلى الحجاز تريد المدينة، حتى إذا بلغت النباج اعترضتها جموع من تميم فحاربوها وقتلوا بعض رجالها وأسروا بعضهم وأسرت هي بعض رجالهم، ثم تحاجزوا على أن تطلق الأسرى ويطلقوا أسراهم وترجع فلا تجتاز ديارهم، فيئست بذلك من الوصول إلى المدينة وانقلبت إلى اليمامة.