تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ويمكن تقسيم «النهج» إجمالا بحسب مواضيعه إلى ثلاثة أجزاء: «الأول» في الخطب، و«الثاني» في المواعظ، و«الثالث» في الرسائل والوصايا والحكم.

وقد عني الأدباء بهذا الكتاب عناية شديدة قديما وحديثا، فشرحوه وعلقوا عليه، ومن أفضل هذه الشروح المطولة في القديم: شرح الإمام اللغوي الأديب المؤرخ عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن أبي الحديد (586-655)، وهو من كبار مفكري المعتزلة والشيعة الإمامية، وكان حاد الذكاء، واسع الاطلاع، تشهد بذلك آراؤه الكثيرة التي نقف عليها في شرحه للنهج الذي يعد في الحقيقة دائرة معارف كبرى حوت العلوم والآداب التي عرفت إلى عصره، وهو شرح في عشرين جزءا، طبع مرات في مصر ولبنان وإيران.

وممن شرح النهج من القدماء أيضا: العلامة كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، وقد طبع في إيران سنة 1274، ومن شراح النهج المحدثين: الإمام محمد عبده المتوفي سنة 1905، وهو شرح لغوي ليس له كبير قيمة بالنسبة إلى شرح ابن أبي الحديد، فهو لا يحتوي على ملاحظات ولا آراء شخصية كالذي نجده عند ابن أبي الحديد، وإنما هو كتاب لغوي يفسر الكلمات الغامضة، مع أن الإمام محمد عبده كان يستطيع أن يبين كثيرا من القضايا الهامة في عالمي: الأدب والدين، ولكنه اكتفى بشرح المفردات، وقد طبع في بيروت ومصر. ومن الشراح المحدثين أيضا: شرح الشيخ محمد حسن نائل المرصفي، وقد طبع في دار الكتب العربية بمصر. أما النهج فقد طبع عدة مرات في الهند وطهران وتبريز ودمشق ومصر، أما عناية الكتاب والأدباء المحدثين بالنهج وتحليله فهي كثيرة جدا لما للإمام في نظر المسلمين والنصارى من مكانة سامية، وقد بحث في قيمة هذا الكتاب ونسبته إلى الإمام جمهرة من الأدباء القدماء والمحدثين، نورد آراءهم فيما يلي:

آراء القدماء

رأي ابن خلكان (608-681):

يرى ابن خلكان في وفيات الأعيان أثناء ترجمة الشريف الرضي أن في نسبة هذا الكتاب إلى الشريف المرتضى اضطراب، وإليك نص كلامه: «اختلف المؤرخون في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي (رضي الله عنه)، أهو جمعه؟ أم هو جمع أخيه الشريف الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه، والله أعلم.»

رأي الحافظ الذهبي (673-748):

يرى الحافظ مؤرخ الإسلام الكبير أبو عبد الله الذهبي في ميزان الاعتدال أن الكتاب مكذوب عليه جزما.

رأي المؤرخ الصفدي:

يرى المؤرخ الصفدي أن كتاب نهج البلاغة موضوع كله، وأنه من وضع الشريف الرضي، وأنه نحله الإمام عليا نحلا.

4

رأي ابن أبي الحديد (586-655):

يرى ابن أبي الحديد أن النهج كله من كلام الإمام، ويرد على المنكرين لذلك بقوله: «إن كثيرا من أرباب الهوى يقولون: إن كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث صنعه قوم من فصحاء الشيعة، وربما عزوا بعضه إلى الشريف الرضي وغيره، وهؤلاء قوم قد أعمت العصبية أعينهم، فضلوا عن النهج.»

5

آراء المحدثين

رأي الإمام محمد عبده:

لم يصرح محمد عبده في مقدمته على شرح نهج البلاغة بشيء يدل على شكه بنسبة النهج إلى الإمام، بل كل ما جاء فيها يدل على أنه مقتنع تماما بأن النهج من كلام الإمام، ويعلق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد على كلام الإمام، فيقول: «وعسيت أن تسأل عن رأي الإمام الشيخ محمد عبده في ذلك، وهو الذي بعث الكتاب من مرقده، ولم يكن أحد أوسع منه اطلاعا، ولا أدق تفكيرا، والجواب على هذا التساؤل أننا نعتقد أنه رحمه الله كان يعتقد مقتنعا بأن الكتاب كله للإمام علي وإن لم يصرح بذلك، والدليل على هذه العقيدة أنه يقول في مقدمته يصف الكتاب: «وأن مدبر تلك الدولة وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.» بل يتجاوز هذا المقدار إلى الاعتراف بأن جميع الألفاظ صادرة عن الإمام علي، حتى إنه ليجعل ما في الكتاب حجة على معاجم اللغة، اسمع إليه وهو يقول: ج2، ص197 من هذه المجموعة: المواساة بالشيء: الاشتراك فيه ... قالوا: والفصيح في الفعل آسيته، ولكن نطق الإمام حجة، انتهى.»، وأعاد هذه الكلمة بنفسها في جزء 3، ص72، الحاشية 4 من هذه المطبوعة، وهو يذهب فيما ظنه أدباؤنا من علم الغيب إلى نحو ما قررناه من أنه تفرس واستنتاج، انظر إليه وهو يقول (ج3، ص13 من هذه المطبوعة): «تفرس فيما سيكون من معاوية وجنده فكان الأمر كما تفرس.»

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١٠٤