تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اختلفت الأقوال في وصية الإمام عليه السلام، فبعضهم يقول: إنه أمر باستخلاف ابنه الحسن عليه السلام، وبعضهم يقول: إنه قال لهم حينما سألوه عن ذلك: «لا آمركم ولا أنهاكم، والله الله في جيرانكم، وزكاة أموالكم، الله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معايشكم، والله الله في خولكم وما ملكت أيمانكم، فإنها كانت آخر وصية لرسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وقولوا للناس حسنا كما أمر الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، وعليكم بالتواضع والذل لله، وإياكم والتقاطع والتفرق والتدابر.»

وهكذا قضى الإمام المأمون الذي أراد أن يعيد الدين كما كان على عهد الرسول، وأراد أن يقضي على سوء الإدارة والظلم الذي حل بالمسلمين فدفع لذلك بنفسه ثمنا.

وقد اختلفت الروايات في موضع قبر الفقيد الشهيد، فبعضهم يقول: إنهم دفنوه في رحبة الكوفة حيث يزار اليوم، وبعضهم يقول: إن الحسين أمر بنقله إلى المدينة ليدفن إلى جانب السيدة فاطمة، وآخرون يقولون: إنه نقل إلى الحجاز في تابوت وضع على بعير ولكن ناقليه ضلوا بعيرهم، فأخذه جماعة من الأعراب ظنوا أن عليه مالا في ذلك التابوت، فلما رأوا أن فيه جثة دفنوها في مكان ما من الصحراء.

ومهما يكن من أمر، فإن الكارثة العظمى قد حلت، واندك صرح العفة والدين والسماحة بمقتله، ولما انتهى خبره إلى الحجاز تباكى الناس فيه، وتمثلت السيدة عائشة حينئذ بقول الشاعر:

وألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قر عينا بالإياب المسافر

وكأنها أرادت أن تقول: إن موته قد أراحه، كما استراح الناس بذلك، ولكن الأمر كان على عكس ما تصورت، فإن موته كان باب الشرور والمصائب والفتن التي حلت بالأمة العربية الإسلامية.

أما عمره وقت استشهاده فقد اختلف المؤرخون فيه، يقول الحاكم في المستدرك نقلا عن محمد بن الحنفية: إن عمره ثلاث وستون سنة، وقيل: بل أربع وستون، وقيل: بل خمس وستون، منها اثنتا عشرة سنة قبل البعثة ، وثلاث وعشرون سنة مع النبي

صلى الله عليه وسلم ، وثلاثون سنة بعد وفاة رسول الله، ويقول ابن شهراشوب في المناقب: قبض صلوات الله عليه قتيلا في مسجد الكوفة، وقت التنوير، ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة مضين من شهر رمضان، فبقي يومين إلى نحو الثلث من الليل، وله يومئذ خمس وستون سنة في قول الصادق عليه السلام، وقالت العامة: بل له ثلاث وستون سنة، وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر؛ لأنه بويع لخمس بقين من ذي الحجة سنة 35ه. (1) مناقبه وآثاره العلمية والدينية

ذكرنا في الفصل الثاني طرفا من مناقبه ومزاياه النبيلة، ونبين ها هنا أنه عليه السلام كان على جانب عظيم من المناقب الجليلة التي لو أريد إحصاؤها لاحتيج إلى مؤلف ضخم. قال أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطالبيين»: إن فضائله عليه السلام أكثر من أن تحصى، فأمير المؤمنين عليه السلام بإجماع المخالف والممالئ والمضاد والموالي على ما لا يمكن غمطه، ولا ينساغ ستره من فضائله المشهورة في العامة، المكتوبة عند الخاصة، وهي تغني عن تفصيله بقول، أو الاستشهاد عليه برواية.

ويقول ابن عبد البر الأندلسي في «الاستيعاب»: فضائله عليه السلام لا يحيط بها كتاب، وقد أكثر الناس من جمعها، فرأيت الاقتصار منها على النكت التي تحسن المذاكرة بها، وتدل على ما سواها من أخلاقه وأحواله وسيرته، وقال: كان بنو أمية ينالون منه وينقصونه، فما زاده الله بذلك إلا سموا وعلوا ومحبة عند العلماء.

قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يرو في فضائل أحد من الصحابة بالأحاديث الحسان ما روي من فضائل علي بن أبي طالب، وكذلك قال النسائي أحمد بن شعيب بن علي، وروى الحاكم في المستدرك قال: سمعت القاضي أبا الحسن علي بن الحسن الجراحي، وأبا الحسين محمد بن المظفر الحافظ يقولون: سمعنا أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي يقول: سمعت محمد بن منصور الطوسي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١٠٢