تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد أحس معاوية بحقيقة الوضع العراقي، فأخذ يهيئ الكتائب لغزو العراق، وأخذ الخوارج يعملون في الديار فسادا، وأخذت جموعهم تزيد يوما بعد آخر حتى شبت نيران حرب داخلية قوية، فأخذ الإمام يعد عدته لقتالهم وقتال الشاميين معا، ولكن قادة جنده خذلوه، ولم يتحمسوا لدعوته، فلما استيئس منهم دعا إليه رؤساءهم وخاطبهم بقوله: إنكم ألححتم علي في تولي هذا الأمر، فلما أجبتكم خذلتموني، وإنه قد سئم من مطاولتهم، وإنه قد أزمع على الذهاب إلى قتال خصمه ولو بمفرده، إلى أن يقول: «أيها الناس، إنكم دعوتموني إلى هذه البيعة فلم أردكم عنها، ثم بايعتموني على الإمارة ولم أسألكم إياها، فتوثب متوثبون كفى الله مئونتهم وصرعهم لخدودهم وأتعس جدودهم وجعل دائرة السوء عليهم، وبقيت طائفة تحدث في الإسلام حدثا، تعمل بالهوى، وتحكم بغير الحق، وليست بأهل لما ادعت، وهم إذا قيل لهم تقدموا قدما تقدموا، وإذا أقبلوا لا يعرفون الحق كمعرفتهم الباطل كله، ولا يبطلون الباطل كإبطالهم الحق، أما إني فقد سئمت من عتابكم وطول خطابكم، فبينوا لي ما أنتم فاعلون، فإن كنتم شاخصين معي إلى عدوي فهو ما أطلب وما أحب، وإن كنتم غير فاعلين فاكشفوا لي أمركم أر رأيي، فوالله لئن لم تخرجوا معي بأجمعكم إلى عدوكم فتقاتلوهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين، لأدعون الله عليكم، ثم لأسيرن إلى عدوكم ولو لم يكن معي إلا عشرة ...» فلما سمعوا كلامه استحيوا وذهبوا إلى قومهم وحرضوهم، فاجتمع جيش حسن، وجاءوا بهم إلى الإمام ليذهب إلى غزو الشام والقضاء على معاوية ودولته.

بينما كان الإمام يهيئ نفسه للخروج إلى الشام حدث ما لم يكن في الحسبان؛ فقد رأى الخوارج أن الوسيلة الوحيدة لخلاصهم من خصومهم هي في القضاء على معاوية وعمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب، وانتدبوا عبد الرحمن بن ملجم الحميري لقتل علي، كما انتدبوا الحجاج بن عبد الله الصريمي لقتل معاوية، وانتدبوا عمرو بن بكر التميمي لقتل عمرو بن العاص، واتفقوا على يوم مسمى لتنفيذ مؤامرتهم، كما حددوا ساعة القتل، وهي ساعة صلاة الصبح في اليوم السابع عشر من رمضان تلك السنة، وهي سنة أربعين للهجرة.

فأما صاحب معاوية فإنه هجم عليه في الساعة الموقوتة، ولكنه لم يصبه بأذى؛ لأنه كان دارعا.

وأما صاحب عمرو فإنه ذهب في الوقت الموعود، ولكن عمرا كان مريضا فبعث مكانه صاحب شرطته وهو خارجة بن حذافة العدوي فقتل عوضا عنه.

وأما صاحب الإمام عليه السلام فإنه أصاب منه مقتلا على الشكل الذي سنفصله بعد، رحمه الله ورضي عنه وسلم عليه.

الفصل الرابع

| في مقتله، ومناقبه، وآثاره العلمية والدينية

لم يصب الإسلام بفاجعة بعد فاجعته برسول الله

صلى الله عليه وسلم

أعظم من فاجعته بمقتل الإمام عليه السلام، فإن أبا بكر وعمر وعثمان قد لاقوا حتفهم في ظروف تكاد تكون عادية أو شبه عادية، ثم إنهم قد عاشوا فترة هادئة في ظل الخلافة الإسلامية، استطاعوا بها أن يتمموا رسالة الرسول الكريم، وينشروا راية الإسلام، وبخاصة الخليفتان الأول والثاني كما رأيت في الفصول الماضية.

أما الإمام علي عليه السلام فإن الظلمة والخوارج والطغاة خلقوا المشاكل في سبيله منذ يوم تسلم خلافة رسول الله إلى أن طعن بيد أحدهم، وهو ظالم آثم طاغ.

روى المؤرخون أن عبد الرحمن بن ملجم الخارجي الحميري أقام في الكوفة يرقب الموعد لقتل الإمام، ثم إنه أقبل آخر الليل ومعه رفيق له يعينه في عمله المجرم، وأنهما انتظرا الإمام حتى خرج من بيته لصلاة الفجر، فلما رأياه قادما استقبلاه بسيفيهما، فأصابه ابن ملجم - لعنه الله - في جبهته حتى بلغ دماغه، ووقع سيف صاحبه في الحائط، وخر الإمام الأمين المأمون صريعا وهو يقول: لا يفوتنكم الرجل، وأحاط القوم بالفاسقين، فقتلوا الثاني، واستبقوا ابن ملجم، وحمل الإمام إلى داره فأقام ليلتين ويوما ثم مات كرم الله وجهه، قتل ابن ملجم ومثل به وأحرق بالنار عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين إلى يوم الدين، وكان ذلك ليلة الحادي والعشرين من رمضان سنة 70ه.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١٠١