فغضب الإمام من هذه الرسالة التي لا تشفي غلة، ولا تنفي تهمة، وكتب إليه يقول: «أما بعد فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذته؟ وفيم وضعت ما أنفقت منه؟ فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك حفظه، فإن المتاع بما أنت رازئ منه قليل، وتبعة ذلك شديدة، والسلام.»
فلما قرأ ابن عباس هذا الكتاب خرج عن هدوئه، فكتب إلى الإمام كتابا فيه شيء كثير من خطل الرأي وفساد الطوية، ويقول له فيه: إنه يؤثر أن يلقى الله وفي ذمته شيء من أموال المسلمين على أن يلقاه وفي ذمته تلك الدماء التي سفكها علي يوم الجمل، ويوم صفين، ويوم النهروان، وإن تلك الدماء إنما سفكت في سبيل الملك.
هذا ما كتب به ابن عباس إلى ابن عمه الإمام عليه السلام، وقد نسي أو تناسى - على الأصح - أنه يكتب إلى خليفة رسول الله، وأنه شاركه في هذه الحروب كلها، بل كان قائده يوم الجمل ويوم صفين، وأنه سيلقى الله وفي ذمته أموال المسلمين ودماؤهم معا، وزاد ابن عباس الأمر تعقيدا أنه عزم على ترك البصرة إلى الحجاز ومعه أموال بيت المال، ولكن أهل البصرة لما علموا بنيته لم يخلوا بينه وبين المال، فاستعان عليهم بأخواله بني هلال، وكادت الفتنة أن تقع بين البصريين والهلاليين لولا أن تداخل العقلاء، وذهب ابن عباس بالمال إلى البيت الحرام، فكتب إليه الإمام عليه السلام يلومه بكتاب رائع، ولكن ابن عباس لم يعد المال، وكتب للخليفة أنه لم يأخذ إلا ما يحق له من بيت المال.
وقد أراد معاوية أن يستولي على البصرة كما استولى على مصر، وخصوصا بعد أن علم بغضبة ابن عباس؛ فقد كان ابن عباس قد ترك البصرة لزياد، ولكن أهل البصرة وأعرابها قد استهانوا بزياد، وأراد زياد أن يستجير ببني ربيعة، فلم تعره التفاتا، فاستجار بالأزد ونقل إليهم المنبر وبيت المال، وانقسمت البصرة إلى طوائف وشيع: طائفة مع معاوية، وطائفة مع الأحنف بن قيس، وطائفة مستقلة، وهي: بنو ربيعة، وطائفة حمت زيادا وهي الأزد، وهكذا عادت العصبية القبلية الجاهلية إلى البصرة بأجلى مظاهرها، وكتب زياد إلى الإمام ينبئه بالخبر، فبعث الإمام رسوله أعين بن ضبيعة إلى البصرة، فقتله أهلها، وأراد زياد أن يثأر له فلم يستطع، فأرسل الإمام كتيبة وعلى رأسها جارية بن قدامة، فظفر بأهل البصرة، وأعيد بيت المال والمنبر إلى المسجد حيث كانا، وحاول الإمام أن يعيد الأمور إلى نصابها، فيخطب الناس ويحرضهم بخطبة رائعة صورت لنا الحالة التي كان عليها شيعته ويأسه منهم، حيث يقول: «أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذل، وسيم الخسف وديث بالصغار، وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالذي نفسي بيده ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتخاذلتم وتواكلتم وثقل عليكم قولي، واتخذتموه ظهريا حتى شنت عليكم الغارات، هذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان، ورجالا منهم، ونساء كثيرا، والذي نفسي بيده، لقد بلغني أنه كان يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة، فتنتزع أحجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين، لم يكلم أحد منهم كلما، فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندي فيه ملوما، بل كان به عندي جديرا، يا عجبا كل العجب! عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان من تضافر هؤلاء على باطلهم، وفشلكم عن حقكم حتى أصبحتم غرضا يرمى، ترمون ولا ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فيكم وترضون، إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم: هذا أوان قر وصر، وإن قلت لكم اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة الصيف، أنظرنا ينصرم الحر عنا، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، ويا عقول ربات الحجال، لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، وقد ملأتم جوفي غيظا حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا رأي له في الحرب، ولله درهم ، ومن ذا يكون أعلم بها مني وأشد لها مراسا؟ فوالله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيفت اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.»