فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي
عشية يحدي بالرماح أبو بكر
ولكن يدهدي بالرجال فهبنه
إلى قدر ما أن تقيم ولا تسري
ولله أجناد تذاق مذاقه
لتحسب فيما عد من عجب الدهر
أطعنا رسول الله ما كان بيننا
فيا لعباد الله ما لأبي بكر
أيورثها بكرا إذا مات بعده
وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فهلا رددتم وخدنا بزمانه
وهلا خشيتم حس راعية البكر
وإن التي سألوكم فمنعتم
لكالتمر أو أحلى إلي من التمر
وقد ظن المرتدون بالمسلمين في المدينة الضعف والانكسار، فبعثوا إلى إخوانهم بالخبر وتجمعوا كلهم يريدون احتلال المدينة والقضاء على أبي بكر، ولكن لما أدرك الليل المسلمين أخذ أبو بكر يعبئ جمعه، ثم خرج بهم في أعجاز الليل، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد، فوضع المسلمون السيوف في المرتدين حتى ولوهم الأدبار، ثم رجعوا إلى المدينة، فلم يلبث أسامة بن زيد أن رجع من غزاته ، فرحب به أبو بكر وهنأه واستخلفه على المدينة وترك معه جنده ليستريحوا في المدينة، وخرج هو قاصدا «ذا خشب» و«ذا القصة» حتى بلغ الربذة فقاتل من فيها من المرتدين وهزمهم وأسر منهم جماعة، وكان الحطيئة الشاعر فيمن أسر، وأظهر أبو بكر من ضروب البطولة في هذه الحملة ما دهش له المسلمون حتى قال له بعضهم: ننشدك الله يا خليفة رسول الله ألا تعرض نفسك للهلاك، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلا فإن أصيب أمرت آخر، فقال: لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي. فخرج حتى أتى بلاد ذبيان وجعلها حمى لدواب المسلمين، ثم رجع إلى المدينة حتى إذا استراح جيش أسامة وثاب من حوالي المدينة خرج إلى ذي القصة
2
معسكرا بها، وعقد أحد عشر لواء لأحد عشر قائدا، وهم: (1)
سيف الله خالد بن الوليد، ووجهه إلى طلحة بن خويلد الأسدي، فإذا فرغ منه قصد مالك بن نويرة بالبطاح. (2)
عكرمة بن أبي جهل، ووجهه إلى مسيلمة الكذاب باليمامة. (3)
شرحبيل بن حسنة، ووجهه في إثر عكرمة بن أبي جهل. (4)
المهاجر بن أبي أمية، ووجهه إلى جنود العنسي، ومعاونة الأبناء (الفرس) ثم يمضي إلى كندة. (5)
حذيفة بن محصن، ووجهه إلى أهل دبا. (6)
عرفجة بن هرثمة، ووجهه إلى أهل مهرة. (7)
سويد بن مقرن، ووجهه إلى تهامة باليمن. (8)
العلاء بن الحضرمي، ووجهه إلى البحرين. (9)
طريفة بن حاجز، ووجهه إلى بني سليم ومن معهم من هوازن. (10)
عمرو بن العاص، ووجهه إلى قضاعة. (11)
خالد بن سعيد بن العاص، ووجهه إلى عرب مشارف الشام.
3
ثم كتب لكل قائد من هؤلاء كتابا هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله لفلان ... حيث بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام، وعهده إليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله، سره وعلانيته، وأمره بالجد في أمر الله، ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان، بعد أن يعذر إليهم، فيدعوهم بداعية الإسلام، فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له، ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله عز وجل وأقر له قبل ذلك وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمة، لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلا الإسلام، فمن أجابه وأقر قبل منه وعلمه، ومن أبى قاتله، فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسم ما أفاء الله عليه إلا الخمس فإنه يبلغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لا يكونوا عيونا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل، ويتفقدهم، ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول.»