وكأن أبا العباس قد أخذ يحس بالخطر الكامن في أبي سلمة الخلال، الذي كان هو علوي الهوى، ولم ينس أبو العباس محاولة الخلال في نقل الأمر إلى العلويين، فأخذ يفكر في التخلص منه، ولكنه خشي إن قتله أن يثور أبو مسلم الخراساني، فكتب إليه يستبين رأيه ويقول له إن أبا سلمة قد خان العهد وأخذ يفسد في البلاد، فأشار عليه أبو مسلم بقتله، ولكن الخليفة لم يفعل ذلك، بل طلب إلى أبي مسلم أن يبعث بأحد رجاله فيقتله، ويقول ابن قتيبة الدينوري والمسعودي: «إن أبا مسلم قد نفس على أبي سلمة مكانته وسلطانه لدى الخليفة، فحرض على قتله.» وسواء أكان صاحب الفكرة هو الخليفة أو أبا مسلم، فإن أبا سلمة قد أضحى خطرا؛ لأنه استبد بالأمر وتسلم جميع شئون الخليفة، فكان ذلك السبب في قتله.
ولما قتل أبو سلمة صفا الأمر لأبي العباس ونفذت إرادته وحده في أرجاء المملكة الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها، واستطاع أن يفرض سلطته الفعلية كخليفة قوي يحكم فيسمع قوله، ويدبر فينفذ تدبيره في أرجاء مملكته. لا بأس ها هنا من وقفة لنبين فيها خارطة رقعة تلك المملكة الواسعة، رقعة الدولة الإسلامية في ذلك العصر، مع بيان موجز عن كل إقليم منها وشيء من أحواله، معتمدين في ذلك على ما كتبه الجغرافي الموثوق المعاصر لذلك العهد؛ ألا وهو الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر المقدسي المعروف بالبشاري (المتوفى سنة 375ه) في كتابه القيم «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، فقد ذكر في كتابه هذا ما خلاصته أن المملكة الإسلامية في ذلك العهد كانت تمتد طولا من أقصى بلاد الشرق عند مدينة كاشغر إلى السوس الأقصى على شاطئ بحر الظلمات، وأنها تمتد عرضا من شواطئ بحر قزوين إلى أواخر بلاد النوبة، ويقول أيضا (ص65) إن طول هذه المملكة ألف وستمائة فرسخ.
وكانت هذه المملكة الواسعة تنقسم إلى أربعة عشر إقليما هي: (أ)
إقليم جزيرة العرب:
وتشتمل على أربع كور جليلة وهي:
الحجاز:
وقصبته «مكة المكرمة»، ومن مدنه: «طيبة»، و«ينبع»، و«الجار» وهو ساحل المدينة، و«جدة» وهي ساحل «مكة»، و«الطائف»، ويتبع الحجاز «وادي القرى».
اليمن:
وهو قسمان ؛ فما كان نحو البحر فهو غور واسمه تهامة، وقصبته «زبيد»، وما كان من ناحية الجبل فهو «نجد» وقصبته «صنعاء»؛ ومن مدنه «مخا» و«كمران» و«عدن»، وتتبعه بلاد الأحقاف، وبها من المدن «حضرموت».
بلاد عمان:
وقصبتها «صحار» على شاطئ بحر الهند، ومن مدنها «نزوة السر» و«ضنك».
بلاد هجر:
وقصبتها مدينة «الأحساء» (البحرين)، ومن مدنها «سابون» (الزرقاء)، ويتبع ديار هجر بلاد «اليمامة» وقصبتها «الحجر».
وأهل هذا القسم لغتهم عربية محضة، تتكلم اللسان العربي إلا «صحار»، فإن نداءهم وكلامهم بالفارسية، وأكثر أهل عدن وجدة فرس، إلا أن اللغة عربية، وأهل عدن يقولون عوض «رجليه»: «رجلينه»، ويجعلون الجيم كافا.
وأصح لغات العرب لغات قبائل هذيل، ثم نجد الحجاز، ثم بقية الحجاز، ثم بقية العرب، إلا سكان «الأحقاف» فإن لسانهم وحش.
أما مذاهبهم فالتشيع في بلاد اليمن، ومذهب الخوارج بعمان وهجر، ومذهب أهل السنة فيما عدا ذلك، والاعتزال في أهل السروات وسواحل الحرمين إلا عمان، ومذهب القرامطة بهجر.
وفي شمال الجزيرة العربية بادية العرب، وهي بادية ذات مياه وغدران وآبار وتلال ورمال وقرى ونخيل، قليلة الجبال كثيرة الكثبان، مخيفة السبل، خفية الطرق، طيبة الهواء، ردية الماء، ليس بها بحيرة ولا نهر إلا «الأزرق»، ولا مدينة بها إلا «تيماء»، وفيها اثنا عشر طريقا توصل إلى مكة (منها تسع طولا يؤدين إلى مكة، وثلاث عرضا يؤدين إلى الشام)، وبها طريق آخر لوادي القرى يؤدي إليها من البصرة، ثم إلى مصر، وهذه الطرق هي: (1) طريق مصر. (2) طريق الرملة. (3) طريق الشراة. (4) طريق تبوك. (5) طريق وبير. (6) طريق بطن السير. (7) طريق الرحبة. (8) طريق هيت. (9) طريق الكوفة. (10) طريق القادسية. (11) طريق واسط. (12) طريق وادي القرى. (13) طريق البصرة.