وكان السفاح إذ ذاك موعوكا فاشتد به المرض فجلس على المنبر، وقام عمه داود بن علي وكان من أفصح بني العباس، فخطب خطبة رائعة قال فيها: «إنا والله ما خرجنا في هذا الأمر لنكثر لجينا ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا ولا نبني قصرا، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كربنا من أموركم، وبهظنا من شئونكم، ولقد كانت أموركم ترمضنا على فرشنا، ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم، وخرقهم بكم واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم، لكم ذمة الله وذمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وذمة العباس رحمه الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل فيكم بكتاب الله، ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ...
يا أهل الكوفة، إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا من أهل خراسان فأحيا بهم حقنا، وأفلج بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، وأداكم الله ما كنتم له تنتظرون ... وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام ... ألا ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد (وأشار بيده إلى أبي العباس)، فاعلموا أن هذا الأمر فينا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلوات الله عليه.»
نرى من هاتين الخطبتين السابقتين الأسس التي اعتمد عليها العباسيون في طلبهم الخلافة، والسياسة التي سيسيرون عليها في دولتهم الآتية، وأنهم قوم ثائرون على الظلم، يطلبون بحق شرعي أعطاهم الله إياه وفرضه لهم على الناس، وأنهم لذلك سيحيون سنة النبي، وسيعملون بالكتاب، ولم ينس أبو العباس أن يعد الناس بزيادة العطاء لاجتذاب قلوبهم، كما لم ينس داود أن يذكر ثقته بدوام هذه الدولة وطول عهدها وبقائها إلى قيام الساعة.
ولما تمت البيعة العامة للخليفة الجديد رأى أن أول ما يجب عليه عمله هو تتميم فتح العراق، فبعث الجيوش لفتح ما بقي من أجزاء العراق، وللاستيلاء على الشام، والقضاء على مروان بن محمد وجيشه ، وكان مروان قد خرج من الشام بجيش لجب حتى أتى الموصل، فبعث إليه أبو العباس بعمه عبد الله بن علي، والتقى الجيشان على نهر الزاب الأعلى (الكبير) في يوم 11 جمادى الآخرة سنة 132ه/25 كانون الثاني 750م، وتم النصر لعبد الله وجنوده، وهرب مروان بمن معه حتى أتى حران، فأقام فيها نيفا وعشرين يوما، حتى إذا دنا منها عبد الله رحل مروان بأهله وولده إلى قنسرين فحمص فدمشق، وعبد الله من ورائه فحاصر دمشق طويلا، ولكن أميرها الوليد بن معاوية اضطر إلى الاستسلام، فدخل عبد الله دمشق وفتك بالأمويين فتكا ذريعا، وهرب مروان بن محمد إلى مصر فلحق به المسودة حتى أدركوه قرب «أبو صير» وقتلوه لثلاث بقين من ذي الحجة سنة 132ه، وبقتله انتهت دولة بني أمية في الشرق، وتوطدت أركان الدولة العباسية.
ويجب أن نشير ها هنا إلى أن قوة إيمان الخراسانيين ومن معهم من جنود العباسيين بالدعوة، كانت قوة كاسحة استطاعت أن تتغلب على جيش الأمويين اللجب الكثير بعدده، الثري بأمواله، الضعيف بإيمانه.
وكما يجب أن نشير هنا أيضا إلى أن القضاء على الأمويين لم يقض على أنصارهم في الشام؛ فقد قامت ثورات في أجناد حمص وقنسرين والجزيرة وحوران وفلسطين، وكان هؤلاء يتخذون البياض شعارا لهم مقابلة للون السواد الذي اتخذه العباسيون شعارهم ونكاية بهم، وقد استطاع أبو العباس أن يقضي بدهائه وحزمه على كل هذه الثورات التي ثارت في الشام، كما استطاع أخيرا أن يقضي على ثورة يزيد بن عمر بن هبيرة الذي أخذ يثير الناس للمطالبة بدم الخليفة القتيل مروان بن محمد، وحاول أن يستعين باليمانية الذين كانوا أمويي الهوى، ولكنه فشل آخر الأمر ودب الانقسام في صفوف جنده وجماعته، فاضطر إلى طلب الصلح وكتب له الأمان، ولكنه قتل ونقض عهده، وبموت ابن هبيرة وقتل من بقي من الأمويين وأنصارهم صفا الجو للعباسيين واشتد لهم الأمر.