ولما استطاع أبو مسلم أن يستولي على خراسان كلها، واضطر أميرها نصر بن سيار إلى أن يفر نحو العراق، زحفت الجنود المسودة من خراسان إلى العراق وهي تفتك بالجند المرواني، وكان الحسن وحميد ابنا قحطبة على رأس الجيش العباسي الذي دخل مدينة الكوفة فاتحا في يوم 11 محرم سنة 132ه بعد أن هزما أمير الكوفة، ولما تم للمسودة العباسيين أمر الفتح، وأخذ أبو سلمة «حمام أعين» وهو على بعد ثلاثة فراسخ من الكوفة، جعله معسكرا ومقرا لجنده، ثم فرق عماله وقواده على السهل والجبل من الكوفة إلى أقصى المشرق، وصارت الدواوين بحضرته والكتب ترد إليه.
وهكذا تولى أبو سلمة إدارة الدولة الجديدة وأخذ ينظم أمورها، وها هنا لا بد من الإشارة إلى أمر يذكره بعض المؤرخين؛ وهو أن أبا سلمة أراد في ذلك الحين نقل الخلافة من العباسيين إلى العلويين؛ يقول ابن الطقطقي في «الفخري»: «لما سبر أبو سلمة أحوال بني العباس عزم على العدول عنهم إلى بني علي.» ويقول المقدسي في «البدء والتاريخ»: «إن الناس قد بايعوا إبراهيم وقد مات، ولعله يحدث بعده أمر، وأراد أن يصرف الأمر إلى ولد علي.» هذا ما يقوله المؤرخون، ويظهر أن أبا سلمة كان علوي الهوى فأراد انتهاز هذه الفرصة لنقل الخلافة من آل العباس إلى آل علي؛ ولذلك تريث في الأمر كثيرا ولم يرتح لمجيء أبي العباس وآله إلى الكوفة، وطلب إليهم أن يكتموا أمرهم، ثم إنه لما أعلن الأمر لم يسم الخليفة، وإنما كان يقول: «إنما الأمر قد صار للهاشميين.» كما يذكر ذلك الجهشياري في كتاب الوزراء. وقد كتب أبو سلمة فعلا إلى ثلاثة من العلويين يدعوهم إلى قبول الخلافة؛ وهم الإمام جعفر بن محمد الصادق، وعبد الله بن الحسن المحض، وعمر بن زين العابدين الأشرف، وأما الصادق فأحرق الكتاب، وأما الأشرف فرفض، وقبل عبد الله بن الحسن المحض على الرغم من تحذير جعفر الصادق إياه من التورط في هذه الفتنة، ولكن طلب إلى أبي سلمة أن يعهد بالأمر إلى ابنه محمد، فإنه رجل مسن فلم يوافق أبو سلمة، ومهما يكن من أمر فإن مساعي أبي سلمة قد فشلت، فاضطر أن يعلن خلافة أبي العباس بعد مراوغة دامت سبعين يوما.
الفصل الثالث
| خلافة أبي العباس السفاح العباسي
تضطرب المصادر في تعيين اليوم الذي سمي فيه أبو العباس خليفة، وأكثر الأقوال شهرة هو أن ذلك كان في ربيع الأول من سنة 132ه/كانون الأول سنة 749م، وكان أول من بايعه أبو سلمة، وثم توالى الناس، ولما تمت مبايعة الناس إياه صعد المنبر وجلس من دونه عمه داود بن علي، فخطب الناس وقال: «الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة، وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به، والذابين عنه والناصرين له، وخصصنا برحم رسول الله وقرابته، وأنبتنا من شجرته، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم فقال سبحانه:
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .
وقال أيضا:
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ، فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا ... بنا هدى الناس بعد ضلالتهم، ونصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، ودحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا ... فتمم الله ذلك منة ومنحة لمحمد
صلى الله عليه وسلم ، فلما قبضه الله إليه قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، أمرهم شورى، فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوا أهلها ... ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها بينهم، فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولي نصرنا ... يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا ... أنتم الذين لم يثنكم من ذلك تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا وأتاكم الله بدولتنا، فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمكم علينا ... وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المبير.»