السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
ويذكر المسعودي أن المعتصم أراد المسير إلى «القسطنطينية» والنزول على خليجها والحيلة في فتحها برا وبحرا، فكاتب ميخائيل ملوك البندقية وإيطاليا والفرنجة يطلب إليهم النجدة،
9
وكان المعتصم قد اطلع على المؤامرة التي أشرنا إليها فقرر مغادرة بلاد الروم إلى سامراء، وهكذا فشلت الفكرة، وظلت القسطنطينية في يد الروم، واستمرت الحرب بينهم وبين المسلمين بعد ذلك على شكل غزوات إلى أن مات المعتصم، ولم يتم له فتح العاصمة الرومية «القسطنطينية». (5) الأحوال الإدارية
الوزارة، الجيش، الخراج
كان المعتصم محدود الثقافة كما رأينا، فكان لا بد له من وزير مدبر يصرف له الأحوال الإدارية، وقد تولى وزارته كاتبه قبل الخلافة الفضل بن مروان البرداني، ولم يكن إلا رجلا عاميا لا علم عنده ولا معرفة، وكان رديء السيرة جهولا بالأمور،
10
ولكنه كان داهية استطاع أن يسيطر على أمور الخليفة، حتى قال الطبري (التاريخ، 10: 312): «وحل من قلبه المحل الذي لم يكن أحد يطمع في ملاحظته فضلا عن منازعته، ولا في الاعتراض في أمره ونهيه وإرادته وحكمه.» ويقول صاحب العيون والحدائق (ص13): «فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم صار الفضل هذا صاحب الخلافة والأمر والنهي والدواوين بحكمه.» ويظهر أن الفضل هذا قد أخذ يكنز الأموال ويسيء معاملة الأهلين حتى ضج الناس من سوء تصرفاته وقبح إدارته، فأخذوا يكيدون له عند الخليفة حتى غضب عليه وصادر أمواله وعف عن نفسه،
11
ولما عزله ولى أحمد بن عمار بن شاذي، وكان عاميا طحانا إلا أنه رجل غني كريم، ولكنه لم يلبث إلا قليلا في الوزارة فعزله، وولاها محمد عبد الملك الزيات الأديب العالم الكاتب صاحب الصيت الذائع بالفهم والذكاء والشعر والأدب والرياسة، قال ابن خلكان:
12 «كان من أهل الأدب الظاهر والفضل الباهر، أديبا فاضلا بليغا عالما بالنحو واللغة، فأعاد للوزارة هيبتها، وضبط أمور الدولة ونهض بها نهوضا لم يكن لمن تقدمه من أضرابه، ولكنه كان جبارا متكبرا ظالما غليظ القلب مبغضا إلى الخلق.» والحق أنه آخر وزراء العهد العباسي الأفاضل العلماء على ما فيه من عيوب، فإن الوزارة لم تحظ بعده بذي فضل أو قدر جليل إلا قليلا مثل سليمان بن وهب وزير المهتدي، وأبي الصقر بن بلبل وزير المعتمد.
وأما الجيش:
فقد عظم أمره في هذا العهد؛ لأن المعتصم كان عسكريا، أو لأنه أخذ يستكثر من الموالي الأتراك، وخاصة في مقاطعتي أشروسنة وفرغانة؛ لعدم وثوقه بالخراسانيين الأبناء والعرب الذي أخذ يقصيهم عن الجندية، ولما كثر المغاربة والأتراك في بغداد وتأذى بهم الناس لسوء سيرتهم، قرر أن يبني لهم مدينة خاصة، فبنى لهم مدينة «سامراء»، قال صاحب الفخري (ص210): «إن المعتصم قال لما أراد بناء سامراء: اطلبوا لي موضعا أخرج إليه وأبني فيه مدينة، وأعسكر بها، فإن رابني من عساكر بغداد حادث كنت بنجوة ، وكنت قادرا على أن آتيه في البر وفي الماء، فاختاروا موضع سامراء، وأشخص لها الفعلة والبنائين والحدادين والنجارين وسائر أرباب الصناعات والمهندسين.» ويقول اليعقوبي (في كتاب البلدان، ص31): «أقدم من كل بلد من يعمل عملا من الأعمال، أو يعالج مهمة من العمارة والزرع والنخل وهندسة المياه ووزنه واستنباطه والعلم بمواضعه من الأرض، وحمل من مصر من يعمل القراطيس وغيرها، وحمل من البصرة من يعمل الزجاج والخزف والحصر، وحمل من الكوفة من يعمل الأدهان، ومن سائر البلدان من أهل كل مهنة وصناعة.» والحق أنه اهتم بمدينته فبناها على نمط حسن، وشاد فيها الخطط والقصور وجعل فيها مسجدا جامعا وقصرا ضخما، وأخذت المدينة تتوسع حتى صارت من أعظم الحواجز الإسلامية، وضارعت بغداد لو أتيح لها أن تستمر فترة طويلة عاصمة للدولة، ولكن ما عتم المعتصم أن مات ورجعت العاصمة إلى بغداد، فأخذ نجم سامراء يأفل شيئا فشيئا.