سئل عن جلده مؤذنا وإمام مسجد في أشروسنة، فأجاب: لأنهما حولا بيت أصنام إلى مسجد، وهذا ينافي الاتفاق مع ملوك الصغد بترك الروم على دينهم. (2)
سئل عن كتاب وجد عنده، وهو مزين بالذهب والفضة والجوهر والديباج مع أن فيه كفرا بالله، فأجاب: إنه كتاب ورثه من أبيه، فيه آداب الملوك، فكنت أستمتع بالأدب وأترك ما سوى ذلك ككتاب كليلة ودمنة. (3)
قال الموبذ (وهو رجل الدين عند الفرس، وقد طلب إليه أن يحضر شاهدا لتلك المناظرة): إن هذا كان يأكل المخنوقة، ويحملني على أكلها، ويزعم أنها أرطب لحما، وكان يقتل شاة سوداء كل يوم أربعاء يضرب وسطها بالسيف ، ثم يمشي بين نصفيها ويأكل لحمها، وإنه قال يوما: إني قد دخلت لهؤلاء القوم في كل شيء أكرهه حتى أكلت لهم الزيت، وركبت الجمل ولبست النعل، غير أني لهذه الغاية لم تسقط عني شعرة (يعني أنه كبر ولم يختتن)، فلما سمع الأفشين كلامه قال: خبروني عن هذا الذي يتكلم بهذا الكلام، أثقة هو في دينه؟ قالوا: لا، قال: فما معنى قبولكم شهادته؟ ثم التفت إلى الموبذ وقال له: كنت أدخلك إلي وأبثك سري، وأخبرك بالأعجمية وميلي إليها وإلى أهلها، فلست بالثقة في دينك ولا بالكريم في عهدك، إذا أفشيت علي سرا أسررته إليك. (4)
قال المرزبان بن تركش، (وهو أحد ملوك الصغد، وهو ممن شهد عليه): إن أهل أشروسنة كانوا في رسائلهم يكتبون «إلى إله الآلهة من عبده فلان بن فلان»، فقال الأفشين: نعم، وهذه عادة القوم لأبي وجدي، ولي قبل أن أدخل الإسلام، فكرهت أن أضع نفسي دونهم فتفسد علي طاعتهم. (5)
قال له ابن أبي دؤاد: أمطهر أنت؟ فقال: لا، قال فما منعك من ذلك وبه تمام الإسلام؟ قال: لم أكن أعلم هذا!
وما إن أتم قوله واعترف بذنبه حتى سيق إلى السجن الشديد المبني خصيصا له، لداخل الجوسق وكان مرتفعا شبيها بالمنارة، فبقي فيه بدون طعام ولا شراب حتى مات فيه جوعا سنة 226ه، وبذلك انتهت هذه الفتنة، وقضي على رأس حركتها. (4) الأحوال الخارجية
مات المأمون وهو يحارب الروم، فأوصى أخاه المعتصم بإتمام حروبه معهم فور استخلافه، ولكن مرت بالمعتصم فتن داخلية كفتنة مازيار وبابك، ويروى أن بابك كاتب ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد وجه أعظم جيشه إلي ولم يبق على بابه أحد، فاغتنم الفرصة، فلم يلبث ميخائيل بن تيوفيل حتى خرج في جيش عظيم يقال إن عدده مائة ألف، فأتى «زبطرة» وقتل أهلها وسبى النساء وأحرقها، ثم مضى إلى «ملطية» فأغار على أهلها وسبى نساءها، وبلغت هذه الأخبار مسامع المعتصم فسأل: أي بلاد الروم أعظم أو أمنع؟ فقالوا له: «عمورية»، وهي مسقط رأس تيوفيل، فتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله من السلاح والعدد والآلة والجيش والخيول، وجعل على المقدمة أشناس وعلى الميمنة أيتاخ وعلى الميسرة عبد الله بن دينار، وسار هو بنفسه في الطليعة، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة 223ه في جيش ضخم يقال إنه كان نصف مليون جندي، ولما وصل إلى «سروج» أرسل الأفشين أمامه وسار هو إلى «طرسوس»، والتقى جيش الأفشين بجيش ميخائيل، كان النصر أول الأمر لميخائيل ثم انتصر الأفشين وتفرق جيش ميخائيل، أما المعتصم ومعه أشناس فإنهما سارا إلى «أنقرة» فدخلاها دون أية مقاومة، واجتمع الأفشين بعدئذ بالمعتصم فضم جيشه، ثم قسمه إلى ثلاث فرق؛ الفرقة الأولى بالميسرة وعليها أشناس، والفرقة الثانية بالقلب وفيها الخليفة نفسه، والفرقة الثالثة بالميمنة وعليها الأفشين، وكان بين كل قسم فرسخان، فسارت هذه الفرق الثلاث حتى بلغت «عمورية» سنة 223ه وكانت محصنة بقوة، فاشتد القتال بينهم وبين الروم وضربت الأسوار وثلمت، واقتحم المسلمون المدينة وغنموا فيها مغانم كثيرة، ثم عاد المعتصم إلى «طرطوس»، وبينما كان المعتصم في طريق عودته إلى «سامراء» اكتشف مؤامرة دنيئة رتبها بعض القادة لاغتيال الخليفة واستخلاف العباس بن المأمون، فسجن العباس وقتل القادة، ولما دخل المعتصم سامراء كان يوم دخوله عيدا مشهودا، وقد سجل أبو تمام الطائي هذا اليوم بقصيدته الخالدة: