تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اختار محمد بن علي بن عبد الله سبعين رجلا ليكونوا مؤتمرين بأمر النقباء الاثني عشر، يعملون في الخفاء على نشر الدعوة العباسية، ويهدمون الدولة الأموية، ويحرصون على تنفيذ ما يقرره النقباء بعد التشاور والتعاون فيما بينهم، وظل هؤلاء يعملون جميعا سرا من أول القرن الثاني إلى سنة 127ه، كانوا يجوبون البلاد متظاهرين بالاتجار أو طلب العلم أو التطبيب أو السياحة، وهم ينشرون دعوتهم متهجمين على بني أمية، مبينين ظلمهم وفتكهم بآل النبي

صلى الله عليه وسلم

وإفسادهم أمر المسلمين، وما إلى ذلك مما تقتضيه أساليب الدعوة، وكان نقباء خراسان الاثنا عشر على اتصال بمركز الكوفة، والكوفة على اتصال بميسرة يخبرونه بكل شيء، وهو يخبر بدوره الحميمة. ومما تجدر الإشارة إليه أنه في سنة 105ه انضم إلى الدعوة رجل ذو خطر كبير هو بكير بن ماهان، وكان من وجوه الخراسانيين ودهاتهم، اتصل بمحمد بن علي فأحبه وآزره في دعوته، وقد لعب بكير دورا كبيرا في نشر الدعوة، وتزويدها بالمال وحسن تنظيماتها، ولما مات محمد بن علي سنة 114ه، وتولى الأمر من بعده ابنه إبراهيم بن محمد، فسار سيرة أبيه في تنظيم الدعوة، واستمر بكير في نشاطه إلى أن مات، فأقام إبراهيم بن محمد مكانه أبا سلمة حفص بن سليمان الخلال، وهو صهر بكير بن ماهان، وحدث آنئذ أن اتصل بإبراهيم شاب من موالي بكير، وكان من ذوي المقدرة والدهاء والسياسة، اسمه عبد الرحمن أبو مسلم الخراساني، وقد تفرس إبراهيم فيه الحزم والقوة فقربه منه واعتمد عليه، ثم وجهه إلى خراسان وأمره أن يعلن الدعوة بعد أن كانت سرية، وأن يشرع بالعمل فورا، وكتب إلى النقباء والشيعة العباسية والعلوية أنه قد أمره عليهم وأعطاه رسالة، وهذا بعض ما جاء فيها: «... يا عبد الرحمن، إنك رجل من أهل البيت، فاحفظ وصيتي وانظر هذا الحي من اليمن، فأكرمهم وحل بين أظهرهم، فإن الله لا يتمم هذا الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة فاهتم في أمرهم ، وانظر هذا الحي من مضر فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت فيه، ومن كان في أمره شبهة، ومن وقع في نفسك منه شيء، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل، فأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ (يعني سليمان بن كثير) ولا تعصه، وإن أشكل عليك أمر فاكتف به مني ...» وهكذا سار أبو مسلم في دعوته وهو مزود بهذه الوصية التي لا أرى مجالا للشك في صحة نسبتها إلى إبراهيم، كما يذهب إليه بعض مؤرخي العصر؛ لما فيها من طعن صريح في العرب؛ لأن إبراهيم كان يريد الوصول إلى هدفه بأي ثمن، والسياسة عادة لا تعرف مذهبا ولا تتعصب إلا لهدفها.

سار أبو مسلم إلى خراسان في سنة 128ه فلبس السواد الذي اتخذه العباسيون لهم شعارا، وأخذ يدعو الناس للدخول في دعوته ويثيرهم على بني أمية، ويحرضهم لنصرة أبناء الرسول

صلى الله عليه وسلم

فالتفوا حوله، وكانت دولة بني أمية آنئذ قد اضطرب أمرها وكثر الهرج فيها، وكان الخليفة الأموي في دمشق مروان بن محمد قد أحس بخطورة الموقف، فكتب إلى أميره على خراسان «نصر بن سيار» أن يقف أمام ذلك الثائر ويحسم الأمر بشدة إلى أن يجيئه المدد.

ثم بعث هو من جاءه في سنة 131ه بإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ولما عرف إبراهيم بطلب مروان إياه أدرك أنه لا بد مقتول، فأوصى بالأمر من بعده إلى أخيه أبي العباس عبد الله «السفاح»، وأمر أهل بيته أن يسمعوا له ويطيعوا، وطلب إليه أن يترك الشام ويفر بإخوته وأبنائه وأهله إلى الكوفة حيث شيعتهم، فسار أبو العباس حتى دخلها خفية، ولما بلغ خبر دخولهم إلى أبي سلمة الخلال أنكر ذلك وخاف مغبته، وطلب إليهم أن يسكنوا خارج الكوفة خوفا عليهم من عيون خليفة دمشق مروان، ثم رأى أن يخفيهم بدار الوليد بن سعيد الجمال من شيعة بني هاشم، وكان ذلك في المحرم من سنة 132ه، فظلوا هناك قرابة شهرين وأمرهم مكتوم حتى عن شيعتهم وكبار رجالات الدعوة.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٦