تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما قوي أمر المازيار عزم على إعلان استقلاله، وانتهز فرصة قيام الأفشين بثورته ضد الأمراء الطاهريين، فأيد الأفشين وأعلن عصيانه، ويظهر أن المازيار أعلن القول بتركه للإسلام ورجوعه إلى دينه القديم، وقال المسعودي: «إن المازيار أقر على الأفشين أنه بعثه على الخروج والعصيان لمذهب كانوا اجتمعوا عليه، ودين اتفقوا عليه من مذاهب الثنوية والمجوس.»

5

ويقول البلاذري: «إنه كفر وعذر.»

6

ويقول البغدادي في «الفرق بين الفرق» (ص252): «إن المازيار كان خرميا من المحمرة.» ولما أعلن المازيار ثورته خلع الطاعة واستولى على أملاك العرب ومواليهم، ووزعها على الفلاحين من أهل تلك البلاد، بل إنه غرى الفلاحين على قتل أصحابها من العرب بقوله: «إني قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم، فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك، ثم خذوا ما وهبت لكم من المنازل والحرم.»

7

وهذا يوضح لنا أن ثورة المازيار فارسية خرمية ترمي إلى هدم السلطان العربي والدين الإسلامي، وقد اعتنقها عدد كبير من الإيرانيين وعم بلاؤهم، فعاثوا خلال الديار، واضطر الخليفة إلى أن يبعث إليهم الحسن بن الحسين، حيان بن جبلة، ومحمد بن إبراهيم، بجيوش كبيرة ليعاونوا عبد الله بن طاهر للقضاء عليهم، وهكذا استطاع الجيش العباسي من السيطرة عليه وأسره، فأرسل إلى سامراء وصلب إلى جانب بابك سنة 224. (4)

حركة بابك الخرمي : ذكرنا في بحثنا عن المأمون أن بابك الخرمي ظهر في عهده وأخذ يدعو الناس إلى دين الخرمية، وأن أمره تعاظم جدا فبعث إليه المأمون جماعة من كبار قواده ففتك بهم، ومات المأمون وسلطان بابك ممتد إلى «أذربيجان» و«همذان» و«أصفهان» و«ماسبذان»، وأن المأمون أوصى المعتصم بقوله: «والخرمية فأغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك.» وهكذا كان، فبذل المعتصم همته في خضد شوكة بابك؛ لئلا يسيطر على البلاد الفارسية التي تروقها دعوته، فاختار لحرب بابك قائدا كبيرا هو حيدر بن كاوس الأشروسني الملقب بالأفشين، وهو لقب ملوك أشروسنة، وبعثه إليه في سنة 220ه، فنظم الأفشين أمره واستعد للقاء خصمه القوي، ثم خرج فأتى أردبيل وكانت أول وقعة بينهما في «أرشق» أحد حصون الأفشين ففتك بهم، واستطاع هو الإفلات ودخل موقان، واستمرت الحروب بين الاثنين مدة طويلة، وفي سنة 221ه استطاع الأفشين الاستيلاء على «البذ» وهي قلعة بابك، ثم أسر بابك وأخاه وأسرته، وذهب بهم مقرنين في الأصفاد إلى سامراء، وكان دخوله عليها يوما مشهودا، وما لبث أن قتل وصلب، وهكذا قضي على هذا الثائر الطاغية، الذي يروي الطبري أن عدد من قتلهم من المسلمين في عشرين سنة كان 250000 مسلم، وأن عدد الأسيرات المسلمات اللواتي استنقذن من سجنه 7600، ويقول المسعودي:

8 «إن من أدركه الإحصاء ممن قتله بابك في 22 سنة من جيوش المأمون والمعتصم من الأمراء والقواد وغيرهم من سائر طبقات الناس في القول المقلل خمسمائة ألف، وقيل أكثر من ذلك، وإن الإحصاء لا يحيط به كثرة.» وتقدير الطبري أقرب إلى الصواب فيما نظن؛ لأنه كان يطلع على الوثائق الرسمية. (5)

فتنة الأفشين : كان الأفشين من قواد المعتصم الكبار الذين لعبوا دورا على مسرح السياسة في العصر العباسي، ويظهر أن الرجل طمع في الاستقلال بأشروسنة، فقد عرف عبد الله بن طاهر أن الأفشين لما كان يحارب بابك كان لا تأتيه هدية، ولا يجتمع له مال إلا أرسله إلى موطنه سرا، ثم علم المعتصم بأن مراسلات قد كانت بينه وبين المازيار الثائر، واطلع الخليفة على تلك المراسلات فكتمها، وساءت ظنونه في الأفشين، وفي سنة 225ه كتب صاحب البريد في أذربيجان إلى الخليفة أن منكجور بين الأفشين وأمير أذربيجان قد احتجن أموالا عظيمة في محاربة بابك، ولكنه لما سئل عن ذلك لم يعترف، ولما أراد المعتصم وقتئذ على الأفشين فأحس بذلك وأراد الهرب إلى أرمينية عن طريق الموصل فلم يوفق، ثم أراد القيام بمؤامرة لقتل الخليفة فلم يوفق، واكتشفت مؤامرته فقبض عليه وسجن في رابع ذي الحجة سنة 225ه، ثم عقد المعتصم محكمة عليا لمناظرة الأفشين برئاسة الوزير محمد بن عبد الملك الزيات وعضوية أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وقد حفظ لنا الطبري وصاحب العيون والحدائق محضر هذه الجلسة، وفيما يلي خلاصة ذلك المحضر: عن هارون بن عيسى بن المنصور قال: «شهدت دار المعتصم وفيها أحمد بن أبي دؤاد وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن عبد الملك، وأتي بالأفشين ولم يكن بعد بالحبس الشديد، فأحضر قوم من الوجوه لتبكيت الأفشين بما هو عليه، ولم يترك بالدار أحد من أصحاب المراتب إلا ولد المنصور وصرف الناس، وكان المناظر له محمد بن عبد الملك» ... أما المواد التي ناقشه فيها فيمكن إجمالها فيما يلي: (1)

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٦٨