هو أبو إسحاق محمد المعتصم بالله بن الرشيد، ولد سنة 179ه، وأمه أم ولد تركية اسمها ماردة، نشأ في كنف أبيه ورعاية أمه، ولم يكن كإخوته ميلا إلى العلم ولا حبا لأهله حتى زعم بعض المؤرخين أنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ،
1
ويقول ابن خلكان: «إنه كان ضعيف الكتابة.» ويجمع المؤرخون على أن الصفة البارزة فيه كانت الجندية والشجاعة والفروسية والقوة ليس غير، وقال صاحب «العيون والحدائق» (ص73): «كان غزير القوة يحمل ألف رطل ويمشي خطوات.»
2
وقال الإربلي: «كان يلوي العمود الحديد حتى يعيده طوقا ويشتد على الدينار بأصبعه فيمحو كتابته.»
3
ومهما تكن هذه الروايات في مبالغتها فإنها تدل على أن الرجل كان مشهورا بقوته وشجاعته، ولا ريب فإن خئولته قوم عرفوا بالشجاعة والعنف والقوة والروح العسكرية، وقد تجلت قوته ومواهبه العسكرية في حروبه أيام خلافة أخيه وفي فتوحه وفي القضاء على الفتن التي وقعت في عهده كما سنرى. (2) بيعته وما أعقبها من أحداث
رأينا أن المأمون عهد إليه بالأمر بعده، ويظهر أن بعض الأجناد والرؤساء وخاصة العرب منهم أرادوا مبايعة ابن أخيه العباس بن المأمون؛ لأنه كان فتى عاقلا ومتعلما ومحبوبا، وبخاصة لدى العرب، فإن هوى المعتصم كان تركيا، ولكن العباس نفسه بايع عمه، وحسم هذا الشغب، وقد بويع المعتصم في اليوم الذي مات فيه أخوه المأمون في 19 رجب 218، وهو ببلاد الروم، ورجع من فوره إلى بغداد تنفيذا لوصية أخيه، وخوفا من الانشقاق والفتنة، بعد أن أمر بهدم ما كان المأمون قد بناه بمدينة طوانة من حصون وقلاع، وحمل ما قدر عليه من السلاح والمتاع والآلات الحربية، وأحرق ما لم يقدر على حمله، وصرف من كان أحضرهم المأمون من العمال والناس إلى بلادهم، ودخل بغداد في رمضان سنة 218ه ومعه العباس بن المأمون، فأخذ يرتب أمور دولته، وولى وزارته إلى كاتبه قبل الوزارة وهو الفضل بن مروان، ولم يكد يستقر ببغداد حتى بلغه خبر الخرمية وثورتهم، فأخذ يعد العدة للقائهم والفتك بهم، وجرت في عهده بثوق وفتن كثيرة كان لها بالمرصاد، كما كان له ببلاد الروم جولات موفقة سنعرض إلى تفصيلها فيما بعد. (3) الأحوال الداخلية
وقعت في عهد المعتصم عدة ثورات وفتن وحركات أقلقت الوضع الداخلي، ولكن حزمه قضى عليها جميعها، وفيما يلي موجز لبعض الفتن: (1)
في سنة 219ه : ثار على المعتصم الإمام محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين الزيدي العلوي، وكان مقيما بالكوفة فخرج منها إلى إقليم الطالقان بخراسان يدعو إلى «الرضى من آل محمد»، واجتمع إليه الناس كثيرا فاهتم به عبد الله بن طاهر، وجرت بين الطرفين حوادث وحروب انهزم فيها محمد بن القاسم، ثم تمكن منه عبد الله بن طاهر فأرسله إلى المعتصم فحبسه بسامرا، ثم تمكن من الهرب ولم يعرف له خبر، وهو الذي تزعم بعض فرق الزيدية أنه حي لم يمت، وأنه سيعود. (2)
ثورة الزط : قوي أمر الزط (وهم قوم من أخلاط الشعوب الآرية والسامية) في سنة 219ه، وأخذوا يعيثون في الأرض الفساد، ويقطعون على السابلة طريقهم بين البصرة وواسط وبغداد، حتى انقطع عن بغداد جميع ما كان يحمل إليها من السفن،
4
وقد انضم إليهم كثير من العبيد الأباق وموالي باهلة، فبعث إليهم المعتصم القائد عجيف بن عتبة فحصرهم بالبطيحة بأن سد أفواه الأنهار التي كانوا يدخلون فيها ويخرجون، ثم حاربهم بشدة فتمكن من قتل نفر منهم قريب من ثلاثمائة شخص، وأسر نحوا من خمسمائة، وضيق الخناق عليهم حتى استأمنوا له على دمائهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، ويذكر الطبري أن عددهم كان نحوا من سبعة وعشرين ألف شخص. (3)
ثورة مازيار القارني : هو ماه يزديار بن قارن آخر الأمراء القارنيين أخرجه شهريار بن شيرويه من طبرستان، فالتجأ إلى المأمون وأسلم على يديه، وتسمى بمحمد، ولكن إسلامه كان إسلاما سطحيا، لم يلبث أن خلعه حينما مات خصمه شهريار في سنة 210ه، فولاه المأمون على طبرستان وما والاها، فذهب وطرد سابور بن شهريار، ثم لحق به فأسره وقتله واستولى على الجبال.