تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال آخر:

يا رماة المنجنيق

كلكم غير شفيق

ما تبالون صديقا

كان أو غير صديق

ويلكم تدرون ما

ترمون مرار الطريق

رب خود ذات دل

وهي كالغصن الوريق

أخرجت من جوف دنيا

ها ومن عيش أنيق

لم تجد من ذاك بدا

أبرزت يوم الحريق

وقال العتري:

8

من ذا أصابك يا بغداد بالعين

ألم تكوني زمانا قرة العين

ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم

وكان قربهم زينا من الزين

صاح الغراب بهم بالبين فافترقوا

ماذا لقيت بهم من لوعة البين

أستودع الله قوما ما ذكرتهم

إلا تحدر ماء العين من عيني

وقال الحسين الخليع:

9

أتسرع الرحلة إغذاذا

عن جانبي بغداد أم ماذا

ألم تر الفتنة قد ألفت

إلى أولي الفتنة شذاذا

وانتقضت بغداد عمرانها

عن رأي لا ذاك ولا هذا

هدما وحرقا قد أبيد أهلها

عقوبة لاذت بمن لاذا

ما أحسن الحالات إن لم تعد

بغداد في القلة بغداذا

وقال الخزيمي قصيدة رائعة في مائة وخمسة وثلاثين بيتا من عيون الشعر يصف اضطراب الأمر في بغداد وما آلت إليه حالتها الاجتماعية والعمرانية من خراب وفوضى، ذكرها الطبري في تاريخه (10: 176-181)، وإليك بعض أبياتها:

قالوا ولم يلعب الزمان ببغ

داد وتعثر بها عواثرها

إذ هي مثل العروس بادي

ها مهول للفتى وحاضرها

وهل رأيت القرى التي غرس الأم

لاك مخضرة دساكرها

محفوفة بالكروم والنخل والري

حان قد دميت محاجرها

فإنها أصبحت خلايا من الإن

سان قد بليت مفاخرها

قفرا خلاء تعوي الكلاب بها

ينكر منها الرسوم زائرها

وأصبح البؤس ما يفارقها

إلفا لها والسرور هاجرها

فأين رقاصها وزامرها

يجبن حيث انتهت حناجرها

أمست كجوف الحمار خالية

يسعرها بالجحيم ساعرها

يا بؤس بغداد دار مملكة

دارت على أهلها دوائرها

أمهلها الله ثم عاقبها

لما أحاطت بها كبائرها

بالخسف والقذف والحريق وبا

لحرب التي أصبحت تساورها

رق بها الدين واستخف بذي ال

فضل وعزر النساك فاجرها

وخطم العبد أنف سيده

بالرغم واستعبدت مخادرها

والكرخ أسواقها معطلة «يستن» عيارها وعائرها

أخرجت الحرب من سواقطها

آساد غيل غلبا تساورها

والخيل تستن في أزقتها

بالترك مسنونة خناجرها

والنفط والنار في طرائقها

وهابيا للدخان عامرها

والنهب تعدو بها الرجال وقد

أبدت خلاخيلها حرائرها

معصوصبات وسط الأزقة قد

أبرزها للعيون ساترها

كل رقود الضحى مخبأة

لم تبد في أهلها محاجرها

بيضة خدر مكنونة برزت

للناس منشورة غدائرها

تسأل أين الطريق والهة

والنار من خلفها تبادرها

يا هل رأيت الثكلى مولولة

في الطرق تسعى والجهد باهرها

في إثر نعش عليه واحدها

في صدره طعنة يساورها

هكذا كان أهل بغداد إبان الفتنة، ولكن ما عتمت أن استعادت حياتها الاجتماعية المرحة في عهد المأمون، فأعيد بناء الدور والأسواق المهدمة، وتوجهت عناية الخليفة إلى إعادة بناء ما تهدم من المؤسسات العامة؛ كالمسجد والكتاتيب والحمامات والجسور والقناطر والخانات والأفران، حتى عاد بناء المدينة إلى مثل ما كان عليه قبلئذ، ورجع الترف عند البغاددة إلى ما كان عليه سابقا تشبها بالخليفة وآل بيته ورجاله في أفراحهم وحفلاتهم ومواسمهم وأعيادهم، ولا بأس من أن نقف وقفة قصيرة أمام حفلة بناء المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل في رمضان سنة 210، قال الطبري (التاريخ، 10: 273): لما فرغوا من الإفطار وغسلوا أيديهم دعا بشراب فأتي بجمام ذهب فصب فيه وشرب، ومد يده بجام فيه شراب إلى الحسن فتباطأ عنه الحسن؛ لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك، ولما جلس المأمون معها نثرت عليها جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، وأوقد في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون منا في تور ذهب فأنكر المأمون ذلك عليهم، وقال: هذا سرف، وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوما، يعد له في كل يوم لجميع من معه جميع ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم، وكان مبلغ النفقة عليه خمسين مليون درهم، وأمر المأمون غسان بن عباد عند منصرفه أن يدفع للحسن عشرة ملايين من مال فارس وأقطعه «فم الصلح»، فجلس ففرقها في قواده وأصحابه وخدمه، وكتب الحسن رقاعا فيها أسماء ضياعه ونثرها على القواد وعلى بني هاشم، فمن وقعت في يده رقعة فيها اسم ضيعة بعث فتسلمها، ولم يكن وجوه البغاددة أقل إسرافا في أفراحهم ومواسمهم من الحسن، فقد كان مال الأرض ينصب في بغداد، فيوزعه الخليفة على الجند والقادة، وهم بدورهم يوزعونه على الأهلين الذين أثروا وبنوا القصور والدور والبساتين والجنان، واقتنوا المتاع والرياش والفرش والديباج والغلمان، وآلات الزينة والصيد والطعام والشراب والطيب والمراكب والخيول والحلي والملابس وغير ذلك مما حفل فيه كتب: «الأغاني» و«حلبة الكميت» و«أعلام الناس» و«أعجب المخلوقات» و«المستطرف» و«تزيين الأسواق» و«ألف ليلة وليلة». (8) الحياة الاقتصادية في عصره

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٦٣