تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويجب أن لا ننسى أن للفلاسفة السوريين في حران وأنطاكية فضلا كبيرا في نقل علوم الأولين إلى العربية، وقد جمع المأمون في دار كتبه الضخمة المسماة «بيت الحكمة» كنوز العلم وآثاره من إسلامية وغير إسلامية، وكانت هذه الخزانة مفتوحة الأبواب أمام العلماء الذين يريدون الدراسة والتحقيق، ولم يكن الخليفة بعيدا عن أمور البحث؛ وكالدراسة والمناقشة فيما تضمنته هذه الكنوز العلمية، وقد استطاع الفلاسفة الدينيون المعروفون بالمعتزلة أن يثيروا شوق الخليفة للاهتمام بالمناقشات الفلسفية التوحيدية؛ فاعتنق نظرياتهم ومذهبهم في القول بخلق القرآن حتى إنه جعله العقيدة الرسمية للدولة، وأمر بامتحان جميع الذين يرفضون القول بها، وقد بالغ في ذلك إلى درجة التعصب، حتى اضطهد جماعة من العلماء الذين أنكروها كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ممن لم يستطيعوا أن يؤمنوا بخلق القرآن.

يقول المؤرخ الهندي السيد أمير علي في كتابه «تاريخ العرب» (ص235): كان عصر المأمون ألمع عصور الحضارة العربية على وجه الإطلاق، فسمي، بحق، العصر الإسلامي الذهبي، ولا مشاحة في أن العشرين سنة التي قضاها في الحكم قد تركت كنوزا زاخرة من الثروة الفكرية، ولم تقتصر هذه النهضة على ناحية معينة من العلوم والآداب، بل شملت نواحي التفكير والثقافات، وكان المأمون لا يؤثر مذهبا أو جنسا خاصا، بل أباح الاستخدام في مناصب الحكومة لجميع المتعلمين على اختلاف أديانهم، كما أنشأ مجلسا استشاريا للدولة يتألف من ممثلي جميع الطوائف، وأصبح هذا الديوان يضم المسلمين واليهود والمسيحيين والصابئين على حد سواء،

4

والحق أنه أحيا دولة العلم والأدب والفكر والترجمة، وكان يعقد المناظرات والمحاورات، وكان بلاطه يعج بأهل العلم والفلاسفة الذين أحيوا الحركات العقلية الزاهرة التي كانت في معاهد أثينا والقسطنطينية، ولولا ما أخذ عليه من شدة تحمسه لمذهب المعتزلة، وحمل الناس على الاعتقاد به لكانت الحركة العقلية التي ازدهرت في عصره حركة لا تشوبها شائبة، ولكن تحمسه لهذا المذهب العقلي الذي استهواه جعله يذهب هذا المنصب الغريب. (7) الحياة الاجتماعية في عصره

استمرت الحياة الاجتماعية التي وصفناها في عصر الرشيد أيام ابنيه الأمين والمأمون، ولا شك في أن الفتنة التي وقعت بين الأخوين قد أفسدت بعض مظاهر الحياة الاجتماعية بعض الإفساد، ولا أدل على ذلك من إيراد بعض المقطوعات الشعرية التي قالها بعض الشعراء المعاصرين للفتنة، ممن حفظ لنا الطبري أشعارهم.

قال شاعر من أهل بغداد لما رأى اضطراب الوضع في مدينته وتشاغل محمد الأمين عن النظر في أحوالها، واهتمامه بما لا طائل تحته وبحمله الناس على مبايعة ابنه:

5

أضاع الخلافة غش الوزير

وفسق الإمام وجهل المشير

وما ذاك إلا طريق غرور

وشر المسالك طرق الغرور

ففضل وزير وبكر مشير

يريدان ما فيه حتف الأمير

وأعجب من ذا وذا أننا

نبايع للطفل فينا الصغير

ولكنها فتن كالجبال

ترفع فيها الوضيع الحقير

فصبرا ففي الصبر خير كبير

وإن كان قد ضاق صبر الصبور

وقال بعض أهل بغداد أثناء حصار طاهر بن الحسين للأمين:

6

قل للأمين الله في نفسه

ما شتت الجند سوى الغاليه

وطاهر، نفسي تقي طاهرا

برسله والعدة الكافيه

أضحى زمام الملك في كفه

مقاتلا للفئة الباغيه

يا ناكثا أسلمه نكثه

عيوبه من خبثه فاشيه

قد جاءك الليث بشداته

مستكلبا في أسد ضاريه

فاهرب ولا مهرب من مثله

إلا إلى النار أو الهاويه

وقال شاعر من أهل الجانب الغربي يصف اضطراب مدينة بغداد ويذكر قتل الناس بالمنجنيق والحجارة:

7

لا تقرب المنجنيق والحجرا

فقد رأيت القتيل إذ قبرا

باكر كي لا يفوته خبر

راح قتيلا وخلف الخبرا

يا صاحب المنجنيق ما فعلت

كفاك لم تبقيا ولم تذرا

كان هواه سوى الذي قدرا

هيهات لن يغلب الهوى القدرا

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٦٢