تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كتبنا في الفصل الخاص بالرشيد شيئا عن الحياة الاقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة، ونريد في هذا الفصل أن نبين بعض ما أهملنا بيانه في ذلك الفصل، فإنه مكمل له.

أما الزراعة:

فقد شجع المأمون الناس على العناية بالأرض، وأوصى وزراءه وعماله أن يعنوا بالري ونواظم الماء وكري الأنهار وشق الأقنية، وعدم التشديد على الناس في الجباية، والرفق بأصحاب الأرضين، وكان القاضي أبو يوسف قد اقترح على الرشيد إنقاص مقدار الخراج، وجعله مقاسمة على النصف؛ أي خمسين بالمائة، فقبل الرشيد اقتراحه، وفي سنة 172ه أنقص الرشيد مقدار الخراج بحذف العشر الذي كان يؤخذ بعد النصف كما يذكر الطبري (التاريخ، 10: 51)، واستمرت الجباية على هذا طوال عهد الرشيد والأمين والمأمون إلى سنة 204ه، فإنه جعل مقاسمة أهل السواد بالخمسين بدل النصف،

10

وطلب إلى عامله على خراسان حط ربع الخراج عن مقاطعاتها،

11

ولما بعث عبد الله بن طاهر لتهدئة الفتنة التي وقعت بين النزارية والقحطانية سنة 210ه بالشام أذن له في حط الخراج عن بعض البلاد الشامية، كما يذكر اليعقوبي (التاريخ، 2: 191) ولكنه لا يعين لنا ذلك المبلغ المحطوط، وأغلب ظننا أنه جعله كالسواد؛ أي بأخذ الخمسين لبيت المال وإبقاء ثلاثة الأخماس لأصحاب الأرض، ولما كان المأمون في سنة 214ه بدمشق طلب أن تمسح الأراضي على أيدي مساحين من العراق والأهواز والري، فمسحت ثم فرض عليها الضرائب المستحقة دون إجحاف بالأهلين، وأوصى عماله بحسن السيرة في الجباية، وتخفيف المئونة وكف الأذى عن الناس،

12

هذا؛ ولا بد من الإشارة إلى نص ينقله الأستاذ ميتز عن المؤرخ ديونيسيوس

Dionysius ، وهو أن جباة الخراج في العراق حوالي عام 200ه/815م هم قوم من العراق والبصرة والعاقول، وهم عتاة ليس في قلوبهم رحمة ولا إيمان، شر من الأفاعي يضربون الناس ويحبسونهم ويعلقون الرجل البدين من ذراع واحد حتى يكاد يموت، ولا شك في أن بعض عمال المأمون كانوا يطبقون هذه الأحكام القاسية على المزارعين، ولم يخل زمان من جلادين وظلمة، فقد ذكر المقريزي (الخطط، 2: 99) أن العباس بن موسى بن عيسى والي مصر من قبل المأمون على الخراج والصلات قد تحامل على الرعية وعسفها وتهدد الجميع فثاروا عليه.

وأما التجارة:

فقد بلغت في العراق أيام العصر العباسي الأول أوجها، وبخاصة في عصر المأمون، فقد استتبع الرقي الزراعي رقي تجاري وخصوصا حين أوغلت البلاد في الترف، وقد أدى هذا الإيغال إلى توسع التجارة وقيام مؤسسات مالية وتجارية فردية أو جماعية نجد أثرها في كتب الفقه وكتب الأحكام السلطانية والخراج، وكان طبيعيا أن تنمو دور الصيرفة.

وأما الطرق التجارية المعروفة يومئذ فهي إما برية وإما بحرية، والبحرية لها طريقان مشهوران؛ أولهما: البصرة، فسيراف على خليج البصرة، فموانئ الهند، فسيلان، فخليج، فسومطرة، فكمبوديا، فكانتون التي كان يسميها العرب خانقو، وثانيها: طريق مبدؤه من القلزم وجدة وعدن، ثم يسير إلى ساحل إفريقية الشرقية حتى موازبيق.

13

أما التجارة البرية فطرقها كثيرة وأشهرها الطرق الآتية: (1)

طريق الشرق:

ويبدأ من بغداد إلى حلوان، فإلى همذان وقزوين والري ونيسابور، فمرو وبخارى وسمرقند وخوارزم. (2)

طريق الغرب:

ويبدأ من بغداد إلى الرقة فالشام فمصر فشمالي إفريقية، فالأندلس وبلاد الإفرنج. (3)

طريق الشمال:

من بغداد إلى الموصل فالجزيرة فحلب فبلاد الروم فأوروبا الشرقية. (4)

طريق الجنوب:

من بغداد إلى الكوفة فالحجاز فاليمن وهو طريق الحج، ومما تجدر الإشارة أن النصارى واليهود وأهل الذمة على العموم قد لعبوا دورا كبيرا في تقدم التجارة العربية، وفي تنظيم التجارة العربية وبخاصة إلى إسبانيا والصين وأوروبا الشرقية والغربية.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٦٤