والحق أن بقاء المأمون في خراسان، وتقليم أظافر العرب في ديارهم وتقويته مخالب الفرس، ما هو إلا تأييد للسياسة الفارسية وإحياء للدولة الكسروية، ولو لم يقتله المأمون في شعبان سنة 202 بطريق الحيلة على الشكل الذي رأينا لظل تحت رهبوته، ولم يستطع حتى بعد قتله أن يقطع صلة له بأسرته، فاستوزر أخاه الحسن لمدة قصيرة، وتزوج ببنته بوران ترضية، ثم قطع آخر صلة له لهذه الأسرة حين عزل الحسن، وولى أحمد بن أبي خالد الأحول، وكان من خيار الوزراء ومدبريهم، جذب قلوب الناس نحو إمامه، وأحسن سياسة الأمور، ولم يكن فيه عيب سوى شراهته في الطعام، فكان الناس يترقبون إليه في المآكل، وقد أخذ عليه ذلك إلى أن مات سنة 211ه، فولى المأمون وزارته ابن يوسف الكاتب، وكان من خيرة الكتاب وأجودهم خطا وأكثرهم فضلا، فأحبه المأمون لفضله ونبله، ولكن بعض بطانته حسدوه فأفسدوا قلب الخليفة عليه فعزله، ثم استوزر القاضي يحيى بن أكثم التميمي، وكان من جلة العلماء والفقهاء والمحدثين، وجمع له قضاء القضاة مع الوزارة، ويظهر أن تولية يحيى بن أكثم أمر الوزارة مع القضاء جعلته يشتهر بالقضاء أكثر من الوزارة، حتى إن ابن طباطبا لم يذكره في كتابه الفخري في عداد وزراء المأمون، وإنما ذكر وزارة يحيى بن ثابت الرازي بعد وزارة أحمد بن يوسف، وكان ثابت بن يحيى الرازي كاتبا حاذقا بالحساب، إلا أنه أهوج محمق سريع الغضب، ولم تطل وزارته، فولاها بعده محمد بن يزداد بن سويد الخراساني، وكان أديبا بارعا حاسبا، فوض إليه المأمون جميع أموره ومات وهو وزيره، ويظهر أن المأمون في آخر أمره أراد أن يستعين بوزير كفء يعتمد عليه، فاختار ابن سويد واطمأن إليه ، حتى إنه فوض إليه وزارته لما كان يتمتع به من حسن الخلق والأمانة والإدارة الحسنة والعلم الوافر والسياسة البارعة. (5-2) الخراج
سار المأمون في الأمور المالية من خراج وجباية وضرائب على سيرة أبيه مستنيرا بكتاب الإمام القاضي أبي يوسف، فازدهرت البلاد اقتصاديا في عهده وانتعش بيت المال لحسن سيرة الخليفة وترتيب أمور الجباية، وقد حفظ لنا ابن خلدون في تاريخه وثيقة قيمة جدا ذكرها في المقدمة نقلا عن كتاب جراب الدولة عدد الأقاليم الإسلامية في عهد المأمون ومقدار جبايتها من الدراهم والدنانير والعروض، ولا بأس من إيراد نص تلك الوثيقة لقيمتها التاريخية النفيسة، ولأنها تعطينا صورة حقيقية عن غنى الدولة ومواردها وموازنتها، قال ابن خلدون: «وجد بخط أحمد بن محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحي نقلته من جراب الدولة:
جدول مقدار موارد الدولة العباسية في عصر المأمون بالدراهم والعروض. *
الأقاليم
الجباية من الدراهم
الجباية من العروض
السواد
27800000 درهم
200 حلة نجرانية 240 رطلا من طين الختم
كسكر
11600000 درهم
كور دجلة
20800000 درهم
حلوان
4800000 درهم
الأهواز
25000000 درهم
30000 رطل سكر
فارس
27000000 درهم
30 ألف قارورة ماء ورد، 20 ألف رطل زيت أسود
كرمان
4200000 درهم
5000 ثوب يماني و20 ألف رطل تمر
مكران
400000 درهم
السند وما يليه
11500000 درهم
150 رطل عود هندي
سجستان
4000000 درهم
200 ثوب معين و20 رطل سكر فانيذ 2000 نقرة فضة و4000 برذون
خراسان
28000000 درهم
1000 رأس رقيق و20000 ثوب متاع و30000 رطل إهليلج
جرجان
12000000 درهم
1000 شقة أبريسم
قومس
1000000 درهم
5000 نقرة فضة
طبرستان والرويان ودنباوند
6300000 درهم
600 قطعة قرش طبري و200 كساء 500 ثوب و300 منديل و300 جام
الري
12000000 درهم
20 ألف رطل عسل
همذان
11300000 درهم
1000 رطل رب رمان و12000 رطل عسل
المجموع
207700000 *
انظر مقدمة ابن خلدون، ص210، في فصل عنوانه: «إن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها».