تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقسم الفقهاء المسلمون وأصحاب كتب الأحكام السلطانية والإدارة الوزارة إلى قسمين؛ «وزارة تنفيذ» و«وزارة تفويض»، أما «وزارة التنفيذ» هي التي يكون فيها الوزير منفذا لأوامر الخليفة وحسب، فليس له التصرف بشئون الدولة من تلقاء نفسه؛ أي إنه لم يكن إلا وسيطا بين الخليفة والناس، وهكذا كان الوزير في عهد العباسيين الأول إلى عهد الهادي، أما بعد ذلك فقد انقلب الأمر إلى «وزارة تفويض» وهي التي يعهد الخليفة فيها إلى رجل يفوض إليه أمور دولته والتصرف بأموالها دون الرجوع إليه، وقد أورد الماوردي في كتابه القيم «الأحكام السلطانية» بحثا استوفى فيه أحوال الوزارتين، نلخصه فيما يلي:

وزارة التفويض

أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة، فقد قال تعالى حكاية عن موسى:

واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري ، فإذا جاء ذلك في النبوة كان في الوزارة أجوز، وقد عدد الماوردي الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يقلدها، ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة

2

إلا النسب وحده؛ لأنه ممضي الآراء منفذ الاجتهاد، فاقتضى أن يكون على صفات المجتهدين، ويحتاج فيها إلى شرط زائد وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمري الحرب والخراج، خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما، فإنه مباشر لهما ومستنيب فيهما، حكي أن المأمون رضي الله عنه كتب في اختبار وزير: «إني التمست لأموري رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في أخلاقه واستقامة في طرائقه، قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب، إن ائتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها، يسكته الحلم وينطقه العلم، وتكفيه اللحظة وتضنيه اللمحة، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء وتواضع العلماء وفهم الفقهاء، إن أحسن إليه شكر، وإن ابتلي بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه.» وقد جمع بعض الشعراء هذه الشروط فأوجزها، ووصف بعض الوزراء الدولة العباسية فقال:

بديهته وفكرته سواء

إذا اشتبهت على الناس الأمور

وأحزم ما يكون الدهر يوما

إذا أعيا المشاور والمشير

وصدر فيه للهم اتساع

إذا ضاقت من الهم الأمور

أما «وزارة التنفيذ» فحكمها أضعف وشروطها أقل؛ لأن النظر فيها مقصور على رأي الإمام وتدبيره، وهذا الوزير وسيط بينه وبين الرعايا والولاة، يؤدي عنه ما أمر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم، ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدد من حدث ملم، ويراعى فيه سبعة أوصاف:

أحدها الأمانة، والثاني صدق اللهجة، والثالث قلة الطمع، والرابع أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء، الخامس أن يكون ذكورا لما يؤديه للخليفة وعنه، السادس الذكاء والفطنة، السابع ألا يكون من أهل الأهواء.

وكانت الوزارة في عهد المأمون الأول، أيام كان في مرو، وزارة تفويض، فقد فوض أمرها إلى الفضل بن سهل الذي كان له الفضل في إيصاله إلى الحكم فأطلق يده في الدولة وسماه ذا الرياستين؛ رياسة الحرب ورياسة التدبير، وكتب المأمون بذلك للفضل توقيعا قال فيه: «أغنيت يا فضل بمعاونتك إياي على طاعة الله وإقامة سلطاني، فرأيت أن أغنيك ... وقد أقطعتك السيب بأرض العراق عطاء لك ولعقبك لما أنت عليه من النزاهة عن أموال رعيتي، ولما قمت به من حق الله وحقي، وقد جعلت لك بعد ذلك مرتبة من يقول في كل شيء فيسمع منه، ولا تتقدمك مرتبة أحد ما لزمت ما أمرتك به من العمل لله ونبيه، والقيام بصلاح دولة أنت ولي بقيامها ...»

3

ويظهر أن الفضل قد استولى على كل شيء في الدولة، حتى على المأمون نفسه، فعزل وولى، وجعل أخاه واليا على العراق مسيطرا على بغداد، وقرب الفرس وأبعد العرب، وتظاهر بمذاهب الأكاسرة وطرائقهم ومظاهرهم، يقول الجهشياري (في كتاب الوزراء والكتاب، ص316): «كان ذو الرياستين يجلس على كرسي مجنح، ويحمل فيه إذا أراد الدخول على المأمون فلا يزال يحمل حتى تقع عليه عين المأمون، فإذا وقعت وضع الكرسي، ونزل عنه فمشى وحمل الكرسي حتى يوضع بين يدي المأمون، ثم يسلم عليه ذو الرياستين، ويعود ويقعد عليه ... وإنما ذهب ذو الرياستين في ذلك مذهب الأكاسرة، فإن وزيرا من وزرائها كان يحمل في مثل ذلك الكرسي ويقعد بين أيديها عليه.»

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٥٩