تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الانقسامات القبلية العديدة التي قسمت الأمة وفرقتها إلى شيع وأحزاب من يمانية وقيسية وعدنانية وقحطانية، وقد تطور هذا الانقسام القبلي إلى انقسام حزبي عنيف نتج عنه تفسخ البيئة العربية تفسخا قذرا، فاتسعت شقة الخلاف بين السكان اتساعا عمل على تهديم أركان الدولة الأموية. (2)

تهاون بعض الخلفاء والأمراء الأمويين في النواحي الدينية والخلقية؛ وانغماسهم في بحور اللهو وأسباب الفسق والاستهانة بآل بيت الرسول

صلى الله عليه وسلم

وفتكهم بهم وتشريدهم.

وقد استطاع العباسيون ودعاتهم الأذكياء أن يستغلوا كل هذا الحنق في سبيل الوصول إلى هدفهم السياسي، واستطاعوا بدهائهم أن يخدعوا العلويين بأن دعوتهم إنما تهدف إلى إحقاق الحق وتسليم الأمر للرضا من «آل بيت محمد»، وكلمة «الرضا» كلمة غامضة ليست محددة، فاستطاع العباسيون ودعاتهم أن يخدعوا بها العلويين وشيعهم، ويسيروهم في دعوتهم إلى أن تم لهم الأمر، فتنكروا لهم وأعادوا سيرة الأمويين معهم، وأصل هذه الدعوة يرجع إلى عهد الفتنة الكبرى التي وقعت بين يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير، فإنه لما مات يزيد وعظم أمر ابن الزبير في الحجاز ومصر والعراق وبايعه أشراف الناس ووجوههم، امتنع زعيما الهاشميين وهما محمد بن الحنفية وعبد الله بن العباس من مبايعته، فاضطهدهما وسجنهما، وعادت الفتنة من جديد، وكان ظهر آنئذ في الكوفة - التي كانت مقر الحركة العلوية - رجل ذو مطامع سياسية واسعة، هو المختار بن أبي عبيد الثقفي الملقب بكيسان، وأخذ يدعو لآل علي، فالتف حوله رؤساء الشيعة، واستطاع أن ينقذ محمد بن الحنفية من سجنه، ثم جمع جموعه لقتال ابن الزبير، فما كان من ابن الزبير إلا أن وجه إليه أخاه مصعبا، فاستطاع أن يفتك بالمختار ويقضي على دسائسه، ولكنه لم يستطع أن يقضي على حركته، فبقي بعض جذورها التي استطاعت أن تظهر فيما بعد بشكل آخر، أما ابن الحنفية فإنه تراجع منخذلا، ثم اضطر بعد أن قضى عبد الملك بن مروان على الحركة الزبيرية أن يبايعه، ولما مات ابن الحنفية اضطربت أفكار شيعته، فمنهم من قال بغيبته موقتا ورجعته، ومنهم من تبع ابنه أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية متهجمين على بني أمية مبينين ظلمهم وفتكهم بآل النبي

صلى الله عليه وسلم

وإفسادهم أمر المسلمين وما إلى ذلك مما تقتضيه أساليب الدعوة، وكان في خراسان اثنا عشر نقيبا يعملون على هدم بني أمية وإقامة سلطان هاشمي، وكانوا على اتصال بالمركز في الكوفة، أما أبو هاشم عبد الله بن محمد فإنه اضطر أن يلجأ إلى بني عمه من آل العباس الذين كانوا يقيمون في «الحميمة» من أرض فلسطين جنوبي البحر الميت، وكان أكبر رجال آل العباس وقتئذ هو محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فأقام أبو هاشم فيهم، ويقال إنه قد تخلى لهم عن حقه في الخلافة لما أحس بدنو أجله على الشكل الذي سنفصله بعد.

قال ابن الطقطقي صاحب كتاب «الفخري»: «وكان أبو هاشم من رجال أهل البيت، فاتفق أنه قصد دمشق وافدا على هشام بن عبد الملك فأكرمه هشام ووصله، ثم رأى من فصاحته ورياسته وعلمه ما حسده عليه وخاف منه، فبعث إليه وقد رجع إلى المدينة من سمه في لبن، فلما علم بذلك عدل إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان نازلا بالحميمة من أرض الشام، فأعلمه أنه ميت وأوصى إليه، وكان في صحبته جماعة من الشيعة، فسلمهم إليه وأوصاه بهم، ثم مات فتهوس محمد بن علي بالخلافة، منذ يومئذ وشرع في بث الدعاة سرا، وما زال الأمر على ذلك حتى مات ...» وموت محمد بن علي هذا كان في سنة 114ه، وقيل: بل في سنة 117ه، والدعاة الذين يشير إليهم ابن الطقطقي هم اثنا عشر داعيا أو نقيبا اختارهم محمد بن علي بن عبد الله بن عباس لينظموا دعوته سرا، وهم: سليمان بن كثير الخزاعي، ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمرو بن أعين الخزاعي مولاهم، وعيسى بن أعين الخزاعي مولاهم، وقحطبة بن شبيب الطائي، ولاهز بن قريظ التميمي، وموسى بن كعب التميمي، والقاسم بن مشاجع التميمي، وخالد بن إبراهيم الشيباني، والشبل بن طهمان الحنفي مولاهم، وعمران بن إسماعيل المعيطي مولى أبي معيط. وقد جعل محمد بن علي للدعوة مركزين؛ «أحدهما» في الكوفة، وكانت صلته بالحميمة يتولى أمره ميسرة مولى علي بن عبد الله بن العباس، و«الثاني» في خراسان، وكان مرجعه الكوفة، ويتولى أمره الدعاة الاثنا عشر الذين سلفت أسماؤهم، وكان رئيسهم وصاحب الرأي فيهم سليمان بن كثير الخزاعي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٥