ظهر بابك بحركته والمأمون بعد في «مرو»، والبلاد لم تستقر، فقوي أمره وكثرت أنصاره وضاق الناس بحركته وعيثه، ولما دخل المأمون بغداد بعث يحيى بن معاذ لمحاربة هؤلاء، فلم يفلح في القضاء عليهم فعزز الجيش بجيش ثان على رأسه عيسى بن محمد فلم يفلح، فثلث بجيش على رأسه أحمد بن الجنيد الإسكافي فأسره بابك، فبعث المأمون محمد بن حميد الطوسي فقتله بابك في سنة 214، وأخذ سلطانه يقوى في «أذربيجان» و«همذان» و«أصفهان» و«ماسبذان» حتى مات المأمون وفتنة بابك في أوجها، ولما حضرته الوفاة أوصى أخاه المعتصم بالفتك بالخرمية، ومما قاله له: «والخرمية فأغزهم ذا جزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه، راجيا ثواب الله عليه»، وسنرى بعد التفصيل أمرهم فيما بعد. (4) الأحوال الخارجية
كان المأمون في أول عهده بعيدا عن العاصمة فلم يهتم بشئون الدولة الخارجية وخصوصا بالروم، ولكنه بعد أن عاد إلى بغداد عزم على أن يجدد سياسة ابنه في غزوهم، فتوجه في سنة 205ه لقتالهم واستخلف على العاصمة إسحاق بن إبراهيم بن صعب، فسار إلى الموصل فمنبج فأنطاكية فطرطوس، وهي الثغر الإسلامي القوي، وهناك عبأ قواه وسار إلى بلاد الروم ففتح حصن قرة وأمر بهدمه، ثم اشترى الأسرى المسلمين وأعتقهم، وأعطى كلا منهم دينارا، ثم بعث قواده لفتح حصون «سندس» و«سنان»، ثم قفل راجعا إلى بلاد الشام ومصر، وبينما هو في مصر علم أن تيوفيل بن ميخائيل ملك الروم قد هجم على «طرطوس» و«المصيصة» وأثخن في القتل (انظر تاريخ ابن خلدون، 3: 256) فرجع المأمون إلى بلاد الروم وقاتلهم وأخضع ملكهم وأخضع مدينة هرقلة، وافتتح عددا من الحصون وهدم القلاع والمطامير (تاريخ اليعقوبي، 3: 192؛ وتاريخ الطبري، 10: 281)، وطلب إليه تيوفيل الصلح، وأن يعيد إليه الحصون والقلاع على أن يعطيه مائة ألف دينار والأسرى المسلمين الذين كان عددهم سبعة آلاف، فلم يجبه المأمون على طلبه عازما على استمرار حربه (تاريخ اليعقوبي، 3: 192).
وفي سنة 217ه جدد المأمون غزو بلاد تيوفيل ثالث مرة فحاصر «حصن لؤلؤة» أكثر من ثلاثة أشهر، ثم رحل عنها وخلف عليها قائده عجيفا فاختدعه الروم وأسروه، وكتب تيوفيل إلى المأمون كتابا يقول فيه: «أما بعد؛ فإن اجتماع المختلفين أولى بهما في الرأي مما عاد بالضرر عليهما، ولست حريا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك حظا تحوزه إلى نفسك، وفي علمك كاف عن إخبارك، وقد كنت كتبت إليك داعيا إلى المسالمة، راغبا في فضيلة المهادنة؛ لنضع أوزار الحرب عنا، ويكون كل واحد لكل واحد وليا وحزبا، مع إنضال المرافق والفسح في المتاجر وفك المستأسر وأمن الطرق والبيضة، فإن أبيت فإني لخائض إليك غمارها، آخذ عليك أسدادها، شان عليك خيلها ورجلها.» فأجابه المأمون بكتاب يقول فيه: «بلغني كتابك فيما سألت من الهدنة، ودعوت إليه من الموادعة، وخلطت فيه من اللين والشدة، مما استعطفت به من فسح المتاجر واتصال المرافق وفك الأسارى ورفع القتل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من إعمال التؤدة والأخذ بالحظ في تقليب الفكرة، وأن لا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في إصلاح ما أوثره في مغبته، لجعلت جوابك خيلا تحمل من أهل البأس والنجدة والبصيرة ينازعونكم عن ثكلكم، ويتقربون إلى الله بدمائكم، غير أني أتقدم إليك بالموعظة التي يثبت الله بها عليك الحجة من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية، فإن أبيت ففدية توجب ذمة وتثبت نظرة، وإن تركت ذلك ففي يقين المعاينة لقوتنا ما يغني عن الإبلاغ والقول والإغراق في الصفة.»
1
ثم شرع المأمون في التفكير لفتح بلاد الروم، وفي أول سنة 218ه حصن مدينة «الطونة» وجعل سورها على ثلاثة فراسخ، وأخذ يخزن القوت ويجمع القواد في العواصم والثغور من العراق والشام ومصر وخراسان وبلاد العرب استعدادا لحرب طويلة؛ يقول اليعقوبي: «استعد لحصار عمورية، وقال أوجه إلى العرب فآتي بهم من البوادي، ثم أنزلهم كل مدينة مفتوحة حتى أخرب القسطنطينية»، فلما بلغ إمبراطور الروم ذلك طلب مهادنة بينهما فرفض المأمون، وقصد بلاد الروم ونزل طرسوس يستعد لحملة الحرب الكبرى، ولكن أجله وافاه فجأة رحمه الله. (5) الأحوال الإدارية (5-1) الوزارة