فتنة نصر بن شبث العقيلي، فقد كان شبث من أشراف بني عقيل القاطنين شمالي حلب، وشيخ قبائل مصر في الشام كله، وكان يحب الأمين، فلما بلغه مقتله وانخذال العرب في العراق، واستلام القواد والأمراء الأعاجم زمام أمر الدولة ثار في سنة 198ه على الدولة المأمونية، فمنع خراج منطقته أن يرسل إلى بغداد، وتغلب على شمال الشام والجزيرة حتى بلغ سميساط وعبر الفرات، وبلغت أخباره الفضل بن سهل فولى طاهر بن الحسين على الموصل والجزيرة والشام والمغرب، كما أسلفنا، وأمره أن يسير من فوره للقاء شبث، فالتقيا، وكانت المعركة الفاصلة بنواحي يكسوم شمالي حلب، فتغلب شبث واضطر طاهر إلى التراجع للرقة، وعظم أمر شبث فأتاه بعض رجالاته وقال له: لو بايعت لبعض آل علي كان أحزم لأمرك، فقال: لا أبايع لبعض أولاد السوادات فيقول إنه خلقني ورزقني، فقال له: بايع بعض بني أمية، فقال: أولئك قوم أدبر أمرهم، وإنما هو في بني العباس، وإنما حاربتهم محاماة عن العرب؛ لأنهم يقدمون عليهم العجم.
ولما شخص المأمون إلى بغداد أمر عبد الله بن طاهر بن الحسين أن يجدد عزيمته في قتال نصر، وكتب طاهر إلى ابنه عبد الله ذلك الكتاب الرائع الحاوي للآداب السياسية والرياسية والإدارة والأخلاق، مما يجب على كل امرئ أن يحفظه ويعمل به، وشاع بين الناس حتى كتبوه وحفظوه، وبلغ خبره المأمون فدعاه أن يقرأ عليه، فلما قرأه أعجب به وقال له: ما أبقى أبو الطيب (وهو لقب طاهر) شيئا من أمر الدنيا والدين والتدبير والسياسة وحفظ اللسان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكم، وأوصى وأمر فكتب به إلى جميع العمال (انظر الطبري، 10: 258)، وخرج عبد الله بن طاهر للقاء نصر، واستمر القتال خمس سنوات، تارة كان يكون الغلب لهذا وتارة لذاك، ولما شعر نصر بالانخذال والضعف طلب الأمان فلم يجبه المأمون، حتى وطأ بساطه فرفض أولا ثم اضطر فأمنه، ودخل بغداد في صفر سنة 210ه، وخرب عبد الله بن طاهر مدينة يكسوم مقره، ثم فرض المأمون الإقامة الجبرية على نصر بن شبث في مدينة أبي جعفر المنصور. (6)
فتنة الزط: هم قوم رحل من أخلاط الناس يسمون «النور» أو «زيكان» أو «الكاولية» ... وكان من أمرهم أنهم غلبوا على طريق البصرة، وعاثوا فيها الفساد أثناء الفتنة بين الأخوين، وفي سنة 205ه قوي أمرهم إلى حد أن الناس باتت تخشاهم لما قاموا به من أعمال مخيفة وغارات مزعجة، ولما استقر أمر المأمون ببغداد بعث إليهم عيسى بن يزيد الجلودي، ففرقهم في البراري والأهوار، ولكنهم لم يلبثوا أن عادوا في سنة 206ه، فتجمعوا يعيثون في البلاد فسادا فبعث إليهم داود بن ماسجور فتفرقوا من جديد، ويظهر أنهم كانوا إذا ضيقت عليهم الجنود يتفرقون في الصحاري والقرى والدساكر فتصعب محاربتهم، وقد ظلوا هكذا يتجمعون ويتفرقون ويعيثون ويفتكون حتى جاء عهد المعتصم، فبعث إليهم من يفتك بهم في سنة 219ه وقتل منهم مقتل عظيمة، فانقطعت أخبارهم مدة ثم عادوا إلى الظهور بعد في أيام المتوكل. (7)
فتنة بابك الخرمي: خرج بابك الخرمي في سنة 201ه/816م في كورة «البند» شمالي إيران في «مازندران» قرب «أذربيجان»، فأعلن الثورة على الإسلام والدعوة إلى دين الفرس وإحياء دين مزدك، وقد فصل ابن النديم في «كتاب الفهرست»، والبغدادي في كتاب الفرق، ما دعا إليه بابك وهذا موجزه: الخرمية أو الخرمدينية (الأولون) ويسمون أيضا المحمرة، وصاحبهم مزدك الذي أباح لمتابعيه تناول اللذات والاعتكاف على الشهوات، والمشاركة بين الناس في الطعام والحرم والمال، وتحريم القتل، وقد حاربهم الملك كسرى أنوشروان لما ظهروا وقتل صاحبهم، والمتأخرون يسمونهم البابكية نسبة إلى بابك الخرمي الذي ظهر في أوائل القرن الثالث، وكان يقول إنه إله، وإنه يجدد دين المحمرة، ولكنه يبيح لأتباعه قتل مخالفيهم ومحاربتهم والفتك بهم.