خروج إبراهيم بن موسى بن جعفر العلوي باليمن واستيلاؤه عليه وفتكه بالناس فيه، حتى سمي الجزار لكثرة من قتل من الناس في سبيل الاستيلاء على اليمن حوالي سنة 199ه، وفي سنة 200ه قوي أمره وسيطر على اليمن، وانتهز فرصة موسم الحج فبعث بعض ولد عقيل بن أبي طالب على جند كثيف إلى الحجاز يتظاهرون بأداء الفريضة، وكان أمير الحج العباسي يومئذ إسحاق بن الرشيد، فلما وصل العقيلي إلى منطقة بستان بن عامر في الحجاز، ومرت قافلة الكسوة الشريفة وأوائل طيب الكعبة وأموال أهل الحرمين نهبوها، وأخذوا أموال من كان معها من التجار، حتى دخلوا مكة عراة، فبعث إليهم أمير الحج جندا قهرهم وأعاد كسوة الكعبة وطيبها، وتمكن من أن يقضي على هذه الفتنة. (3)
ثورة الجند ببغداد على الحسن بن سهل لقتله هرثمة بن أعين، فقد روى الطبري أن هرثمة بعد أن سكن الفتن في العراق والحجاز قصد أن يتوجه إلى المأمون في خراسان؛ ليبين له أن هذه الفتن كلها إنما قامت بسبب الفضل بن سهل وأخيه الحسن لبعده عن العراق، وقد علم الفضل بغرض هرثمة فاستكتب المأمون كتابا بعثه إليه وهو في الطريق يأمره فيه بالعودة ويوليه إمارة الشام والحجاز، فأبى هرثمة أن يرجع إلا بعد مقابلة الخليفة، ولما دخل على الخليفة لم يحسن استقباله وخرج وهو مغضب، ثم إن الفضل هيأ له من يقتله غيلة فوجئت عنقه وديس بطنه حتى مات، فبلغت أخبار هذه القصة أهل بغداد وثار جنود هرثمة على الحسن بن سهل وأنصاره؛ لأنه هو السبب وأجمع رأيهم ورأي الهاشميين في العاصمة على خلع المأمون وتولية المنصور بن المهدي، ولكنه أبى عليهم قبول ذلك، فطالبوه أن يكون أميرا ببغداد وأن يدعو للمأمون، وحلفوا أنهم لا يرضون بالمجوسي بن المجوسي الحسن بن سهل أميرا عليهم، فقبل وتولى إمارة بغداد، ولكن لم يكن في البلد جيش قوي يصون أمنها ويحميها من أهل الفساد، فكثرت فتن الشطار والدعار، وعم التعدي على النساء والصغار، واضطر أهل البلد إلى أن يختاروا من بينهم شخصا أمينا انتقوه من أوساط الشعب يعهدون إليه بأمر المدينة وحفظها، وانتقوا لذلك رجلا اسمه «خالد الدريوش»، وكان سريا قويا محبوبا فعمل على حفظ المدينة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة الشطار، وعاونه في ذلك رجل آخر عرف بالفضل والمروءة وهو سهل بن سلامة الأنصاري، وكثرت أتباع هذين الرجلين اللذين لولاهما لعمت الفوضى بالمدينة ولخربها المفسدون والطامعون، ولما استطاع أهلها أن يحموا أنفسهم من الدعار والمجرمين. (4)
فتنة العراقيين بسبب مبايعة المأمون لعلي بن موسى بن جعفر الصادق، فقد وردت بغداد أخبار تفيد أن المأمون، بتدبير الفضل بن سهل، قد اختار لولاية عهده رجلا من آل علي، وهو الإمام علي بن موسى بن جعفر الصادق (عليه السلام)، وسماه «الرضا من آل محمد»، وأمر جنده بخلع السواد شعار بني العباس ولبس الخضرة التي اختارها شعارا للدولة الجديدة، وكتب بذلك إلى الآفاق، فلما سمع العراقيون بذلك وعلموا أن هذا كله من عمل الفضل بن سهل الفارسي؛ لأن الفرس يعجبهم أن يكون إمام المسلمين علويا، وطالما قاتلوا في سبيل ذلك، فوقعت فتنة عظيمة في العراق، وأخذت هذه الفتنة تقوى حتى كانت سنة 202ه، فأجمع رأي العراقيين على خلع المأمون وتولية عمه إبراهيم بن المهدي، فقبل إبراهيم بذلك، وخلع المأمون وامتد نفوذ إبراهيم على السواد كله والكوفة، وعسكر بالمدائن، وولى الجانب الشرقي من بغداد للعباس بن الهادي، والجانب الغربي لإسحاق بن الهادي.
ولما أبلغ علي بن موسى الرضا هذه الأخبار إلى المأمون وتأكد من صحتها عزم على الرحيل إلى بغداد للقضاء على تلك الفتنة بنفسه، مستصحبا معه وجوه دولته وقادة جنده، ولما وصل سرخس سمع الناس أن الفضل قد مات وهو في الحمام، وكان ذلك في سنة 202ه، ثم استمر المأمون في طريقه حتى إذا بلغ طوس مات فيها علي بن موسى، ويظهر أن المأمون تخلص منهما؛ لأنه يريد أن يدخل بغداد وهو ناف عنه كل ما يمكن أن يثير عليه غضب البغداديين، ثم سار إلى الري قاصدا العراق، وكان كلما زاد اقترابا من بغداد زاد الخطر على إبراهيم بن المهدي، حتى انفض عنه قواده وكاتبوا الحسن بن سهل ليسلموا إليه بغداد ويخلعوا إبراهيم بن المهدي، فلم ير إبراهيم بدا من الهرب، واختفى ليلة 17 ذي الحجة سنة 203ه، ولما وصل المأمون إلى النهروان تلقاه أهل بيته والقادة وهم بالخضرة، فلبسها الناس ثمانية أيام، ثم كلمه خاصته وأهله أن يعود إلى السواد فرجع لبسه، ومن ذلك الحين ابتدأ ملك المأمون الفعلي، وفي سنة 210 ظفر بإبراهيم بن المهدي فحبسه في سجن المطبق. (5)