وبعد؛ فإن الأمين كان ذا مواهب ومزايا، ولكن سوء طالعه وفساد حاشيته وقبح خاتمته قد نقلت محاسنه إلى مساوئ، والناس دوما مع الغالب، وقديما قال الشاعر:
والناس من يلق خيرا قائلون له
ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل
الفصل السابع
| المأمون بن الرشيد
198-218ه/814-833م (1) أوليته
هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، وأمه أم ولد فارسية اسمها مراجل، ولد سنة 17ه في اليوم الذي ولي فيه أبوه الخلافة، وقد اعتنى به أبوه بعد طفولته، فعهد إلى أبي محمد اليزيدي النحوي القارئ المشهور وإلى الكسائي والأصمعي بتعليمه وتهذيبه، كما عهد إليهم بتهذيب أخيه الأمين، فبرزت مواهبه منذ طفولته وحفظ القرآن الكريم وروى كثيرا من الشعر العربي القديم، وأجاد الاطلاع على علوم العرب وآدابهم وأخبارهم، وبرع في علوم الدين من حديث وفقه وتفسير وكلام، كما درس علوم الحكمة والفلسفة والعقائد القديمة الإسلامية.
وفي سنة 183ه ولاه أبوه العهد بعد أخيه الأمين، وضم إليه جعفر بن يحيى البرمكي ليدربه ويثقفه، ثم ولاه خراسان وهو شاب بعد ليمارس الحكم ويتدرب على السياسة بمقتضى السلطة التي منحها إياها أبوه في كتاب العهد، ولما مات أبوه كان ما يزال في خراسان، فجرت بينه وبين أخيه تلك الحوادث والفتن التي فصلناها في بحثنا عن الأمين. (2) بيعته وما أعقبها من أمور
بويع المأمون البيعة العامة يوم مقتل أخيه في 25 محرم سنة 198ه/5 أيلول سنة 814م وكان ذلك في مرو، وكان المدبر للدولة هو الفضل بن سهل السرخسي الذي استوزره وجعله صاحب دولته ومتولي الرأي عنده، وقد رأى الفضل أن أول عمل يجب عمله بعد أن انتهت الفتنة هو إخراج طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين من العراق خوفا من مطامعهما، فكتب إلى طاهر على لسان الخليفة أن يشخص إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث، وأن الخليفة قد ولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، وكتب إلى هرثمة يدعوه إلى خراسان وأنه قد عهد إلى الحسن بن سهل أخي الفضل بالعراق، والحق أن أحوال العراق قد اضطربت لغيبة الخليفة عنها أول الأمر، وشاعت شوائع زادت في هذا الاضطراب منها أن الفضل بن سهل قد غلب على أمر المأمون، وأنه قد حجبه في قصره لا يراه أحد، وأنه يبرم الأمور دونه، وأنه سيقضي على كل عنصر عربي، فثار لهذه الشوائع بنو هاشم ووجوه الدولة في العراق، وأخذوا يستخفون بالفضل بن سهل وبأخيه الحسن، وعمت الفوضى والفتن في البلاد حتى جاء المأمون من خراسان إلى بغداد كما سنرى تفصيل ذلك فيما بعد. (3) الأحوال الداخلية
بعد مقتل الأمين والمناداة بالمأمون خليفة فكر الفضل بن سهل في نقل العاصمة إلى المشرق في خراسان، وأخذ يعد لذلك عدته، فاضطرب لهذا الأمر العراقيون عامة والهاشميون خاصة، وخافوا أن يعلن الفضل بن سهل نقل حاضرة الخلافة إلى هناك، فأخذوا يفسدون عليه خططه ويستهينون بأوامره ورسائله التي تردهم من المأمون ووزيره الفضل، فحدثت عدة فتن نذكر منها: (1)
خروج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن العلوي بالكوفة على الخلافة بتشجيع القائد أبي السرايا السري بن منصور الشيباني، فاستولى على الكوفة وطرد عاملها سليمان بن أبي جعفر المنصور، وعظم أمر هذه الفتنة، إلا أن محمدا لم يلبث أن مات فجأة في رجب سنة 199ه فولى أبو السرايا مكانه غلاما من آل البيت العلوي حدثا، هو محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) وعظم أمر العلويين وأبي السرايا، وقضوا على جيش الحسن بن سهل حتى ضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ونقش عليها قوله تعالى:
إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ، ولما أخذ أمر أبي السرايا يعظم كتب الفضل بن سهل إلى هرثمة بن أعين يدعوه لقيادة جيش يحارب به أبا السرايا، وكان ذلك في شعبان سنة 199ه، فلبى هرثمة الدعوة وتوجه للقاء أبي السرايا وتغلب عليه؛ ففتح الكوفة واضطر أبا السرايا إلى الهرب، فاضمحلت دولته ولجأ إلى إيران، ثم أمسك به وصلب ببغداد، وكان لحركة أبي السرايا أسوأ أثر في الحجاز؛ لأنه كان ولى على مكة الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي، وكان بها داود بن عيسى أميرا من قبل العباسيين، فطرده وجرد الكعبة من كسوتها العباسية وكساها ثوبين جديدين كتب عليهما: «أمر به الأصغر بن أبي الأصغر أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام، وأمر أن تطرح عنها كسوة الظلمة من ولد العباس، ليطهر من كسوتهم، وكتب سنة 199»، ثم قسم الكسوة التي كانت عليها بين أصحابه، وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه ليستعين به في حركته، ولم يسمع بوديعة لبني العباس وأتباعهم عند أحد من أهل مكة إلا أخذها، وكانت له دار سماها «دار العذاب» عذب فيها الناس ممن لم ينضموا تحت لواء حركته، حتى هرب من العراق والحجاز خلق كثير بسببه، وزاد عسفه وعسف جماعته على الناس وظلموهم وصادروا أموالهم حتى إنهم حكوا الذهب الذي كان على أساطين المسجد الحرام، وقلعوا الحديد الذي كان على شبابيك زمزم وخشب الساج فباعوه بالثمن البخس، وما زال العلوي على تلك الحال حتى بلغه صلب أبي السرايا، فاجتمع هو وبعض أنصاره العلويين وغيرهم وطلبوا إلى محمد بن جعفر الصادق أن ينضم إلى حركتهم على أن يبايعوه بالخلافة، فأجابهم إلى ذلك ولم يكن له من الأمر شيء إلا المظاهر والاسم، وساروا بالناس على أسوأ سيرة حتى تعدوا على الأموال والأعراض، فبعث إليهم هرثمة بن أعين جيشا فتك بهم وهزمهم، وقضى على حركتهم. (2)