تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي ما يؤخذ من المسلمين زكاة أموالهم من الأنعام والنقود وأموال التجارة وأعشار الأرض غير الخراجية، على ما هو مفصل في كتب الفقه، ومصارف الصدقات هي ثمانية أصناف ذكرتها الآية الكريمة:

إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله .

هذا هو عرض موجز لموارد الدولة الإسلامية ومصارفها كما أقره الشرع الإسلامي الحنيف، وبينه الإمام أبو يوسف في كتابه في الخراج، ونرى ها هنا أن نزيد على ذلك كلمة موجزة عن نظام مالي له علاقة بنظام الأراضي، وهو نظام القطائع فنقول:

القطيعة أرض يمنحها الإمام لبعض الممتازين بفعالهم من المسلمين، ويذكر الإمام أبو يوسف في «كتاب الخراج» والسرخسي في «كتاب المبسوط» أن عمر بعد أن تم له الفتح العراقي اصطفى من أرض السواد ما كان لكسرى وحاشيته وقواده، وقد بلغ ذلك نحوا من أربعة آلاف ألف (مليون) جريب، كان يقطعها من أراد من رجالات الإسلام، قال أبو يوسف: «وذلك بمنزل المال الذي لم يكن لأحد ولا في يد وارث، والإمام مخير في القطائع أن يجعلها عشرية أو خراجية إن كانت تسقى من أنهار الخراج.» ويرى أبو يوسف أيضا أنه لا يصح أن تبقى في ديار الإسلام أراض لا ملك لأحد فيها ولا عمارة حتى يقطعها الإمام، فإن ذلك أعمر للبلاد.

وإذا كانت في البلاد المفتوحة أراض لا أثر فيها لزراعة أو بناء فهي «أرض موات» ومن أحياها فهي له، وللإمام أن يقطع ذلك من أحب، وله أن يؤاجره بما فيه صلاح الأرض، ويقول أبو حنيفة: «إن محيي الأرض لا يملك ما أحيا إلا بإذن الإمام، وإذا كانت من الموات في أرض العشر أدى عنها العشر، وإذا كانت في أرض الخراج دفعه عنها، وإن احتفر لها بئرا كانت أرض عشر، أما إن ساق إليها ماء الخراج فهي خراجية، والأراضي التي تنكشف من الجزر في النهر فهي لمن تلاصق أرضه بشرط ألا تضر بأحد أو بسير السفن، وكذلك ما عولج من البطائح والآجام.» (6) الحياة العقلية والثقافية في عصره

ازدهرت الإمبراطورية الإسلامية عامة والعراق خاصة في عهد الرشيد في نواحي العلم والفن ومجالي الحضارة الأخرى، وصارت بغداد في عهده قبلة الطلاب في العالم، يلجئون إليها لينهلوا من مواردها في العلم والفن والدين والفلسفة والصناعة، يقول الخطيب البغدادي (في تاريخ بغداد، ج1، ص119): «لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها وكثرة علمائها وأعلامها.» ويقول جميل المدور عن عهد الرشيد (في حضارة الإسلام، ص143): «وكفى بشرف دولته أنه اجتمع ببابه من الوزراء والأمراء والقواد، والعلماء والفقهاء والأدباء والخطباء والمحدثين، والوزراء والشعراء والندماء والمغنين، ما لم يجتمع على باب خليفة غيره، فإن البرامكة أعوان دولته، وأبا يوسف قاضيه، وهرثمة بن أعين أمير جنده، والعباس بن محمد عم أبيه جليسه، ومروان بن أبي حفصة شاعره والأصمعي محدثه، وأبا نواس نديمة، والفضل بن الربيع حاجبه، وإبراهيم الموصلي وإسحاق ابنه مغنياه، وابن بختيشوع وجبريل وبني ماسويه أطباؤه، والعلماء والأدباء كلهم قيام على بابه لا يفارقونه في حضر ولا سفر، حتى إنه ليطلب شاعر في أطراف الليل فيجده ببابه مع غيره من محدث أو نديم.»

والحق أن العلماء وأهل الدين والحكمة والفن الذين ظهروا في دولة الرشيد هم الأئمة الذين يرجع إليهم الفضل في تدوين كتب العلم والفن التي أضحت مراجع الحضارة العربية الإسلامية، وفي عصره ازدهرت الحركات العقلية والفلسفية، وعظمت عناية الناس بخزائن الكتب واهتمامهم بالعلم وأهله، وترجمت الكتب، وكان بلاطه ألمع بلاط في ذلك الحين، وكانت الشعراء والعلماء والحكماء يفدون إليه من أنحاء المعمورة كافة، فيوليهم عطفه وتشجيعه، وكذلك كان أول من وضع الموسيقى تحت رعايته، فارتقت في ظله حتى أصبحت مهنة شريفة، وفي عهده طفقت المدرسة الحنفية تتطور حتى اكتسبت شكلها النظامي على أيدي علماء المذهب، وعلى رأسهم أبو يوسف القاضي. (7) الحياة الاجتماعية في عصره

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٤٦