اشتمل كتاب الخراج على مباحث رئيسية وهي: (1)
موارد الدولة على اختلاف أنواعها كما أقرها الشرع الحنيف، مع بيان مصارف تلك الموارد. (2)
الطرق الحكيمة العادلة في الجباية وجمع الأموال من المكلفين ودافعي الضرائب والمكوس. (3)
الواجبات التي على صاحب بيت المال القيام بها مما أهمله بعض الولاة والعمال السابقين، ولا نستطيع ها هنا أن نورد كل ما سرده الإمام أبو يوسف في المباحث الثلاثة، ونكتفي بإيجاز بعض ما ذكر عن القسم الأول من موارد الدولة، وأما القسمان الآخران فليرجع إليهما من يريد التوسع.
قال: إن موارد الدولة الشرعية تنحصر في ثلاثة أقسام وهي: (أ) الغنائم. (ب) الخراج. (ج) الصدقات. (أ) خمس الغنائم
وهي كل ما أصابه المسلمون من المشركين في الحرب من متاع وسلاح وكراع
16
ونقد، ويقسم الإمام هذه الغنائم إلى خمسة أقسام يستبقي خمسا لبيت المال ويوزع أربعة الأخماس الباقية على المشاركين في تلك الحملة الحربية للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمان له وسهم لفرسه، وللراجل سهم، ويحتفظ بالخمس الخامس لما أراده الله تعالى بقوله في سورة الأنفال:
واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله . (ب) الخراج
ويدخل فيه ما وظف على الأرض الخراجية وجزية أهل الذمة وموارد العشور.
أما الخراج فهو المال الموظف على الأراضي الخراجية، وقد قرره أبو يوسف في هذا أن سواد العراق وبلاد الجزيرة والشام لما فتحت في عهد عمر ترك الأرضين لأصحابها على أن يدفعوا الخراج عنها لبيت مال المسلمين، بعد أن مسحها فبلغت 36 مليون جريب، فوظف على كل جريب مقادير معينة من الدراهم والأطعمة، تختلف بحسب الأرض وغراسها، من درهمين إلى عشرة لكل جريب، وقد بلغت جباية خراج السواد قبيل وفاة عمر بعام مبلغ مائة ألف ألف درهم (مائة مليون درهم)، ولم ير أبو يوسف ما قرره عمر في تحديد الخراج أمرا لازما، بل أفتى أنه يجوز للخليفة إذا رأى مصلحة الناس في المقاسمة أن يجيزها، وقد بحث أبو يوسف في هذه الناحية بحوثا مطولة يحسن الرجوع إليها لمن يريد التوسع في هذا الأمر.
وأما جزية أهل الذمة فهي الأموال التي وضعها المسلمون على رءوس سكانها من غير المسلمين في البلاد المغلوبة، مقابل حماية المسلمين لهم والدفاع عنهم في الحروب، أما من يستعان به منهم في الحروب فلا يدفعها، الجزية فيما عدا هؤلاء واجبة على كل كتاب نصراني أو يهودي، ما خلا نصارى بني تغلب وسكان نجران، وأطفال عامة النصارى واليهود ونسائهم وشيوخهم ورهبانهم وعجزتهم، وليس على مواشيهم وأموالهم زكاة، وقد قرر أبو يوسف أن الجزية على ثلاث درجات: (1) درجة الأغنياء ويدفعون 48 درهما صحيحا. (2) المتوسطون ويدفعون 24 درهما صحيحا. (3) العمال ويدفعون 12 درهما صحيحا. أما نصارى تغلب ونجران فتؤخذ منهم زكاة المسلمين مضاعفة.
وأما موارد الخراج من العشور فهي موارد لم يذكرها القرآن ولا عرفت في عهد الرسول، ولكن أحدثها عمر لما كتب إليه أحد عماله وهو أبو موسى الأشعري حينما كان في البصرة: «إن قبلنا تجارا من المسلمين يذهبون إلى أرض العدو فيأخذون منهم العشر على تجاراتهم.» فكتب إليه عمر: «خذ أنت منهم في أرضنا كما يأخذون من تجار المسلمين في أرضهم، وخذ من أهل الذمة نصف العشر، وخذ من المسلمين درهما من كل أربعين درهما، وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم وما زاد فبحسابه.»
وأما مصارف بيت مال الخراج فهي: (1) رواتب القضاة والولاة والعمال. (2) مرتبات العسكر المجاهدين غير المتطوعين. (3) كري الأنهار وحفرها وإصلاح مجاريها. (4) حفر الترع الجديدة. (5) نفقات المسجونين من المسلمين والأسرى من المشركين. (ج) الصدقات