بلغت الحياة الاجتماعية في عهد الرشيد درجة رفيعة في البذخ والرفاهية والفخامة واللهو والغنى والرقي بصورة عامة، وكان طبقات الوزراء والقواد وكبار التجار أبرز الطبقات المترفة التي وجدت في ذلك العصر، كما كانت إلى جانبهم طبقات من الكتاب والعلماء والأطباء ومتوسطي التجار تعيش عيشا ناعم البال منعمة الحياة، أما طبقات سواد الشعب من سوقة وعمال وصناع وأجناد وشطار، فطبقات كان يتوفر لها عيش رخيص مقبول، وتتجلى هذه الطبقات واضحة الخطوط لمن دقق «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وكتاب «الفهرست» لابن النديم، وكتاب «الموشي» للوشاء النديم، وكتاب «حلبة الكميت» للنواجي، وكان من نتائج امتزاج الشعوب المفتوحة بالشعب العربي وتعدد الزوجات والتسري والرقيق وتجارته وجود طبقة اجتماعية مختلطة العناصر والأفكار والتقاليد، طغت على الطبقة العربية الرفيعة التي كانت في العصر النبوي والعصر الراشدي والعصر الأموي.
أما المرأة، وخصوصا الرقيقة، فقد تعلمت وبلغت قسطا وافرا من النعيم في هذه البيئة، فتعلمت وتثقفت وسيطرت على البيت الإسلامي سيطرة واضحة، فقدتها بعد في عصر الانحطاط العباسي والعصور التي تلته، ومما هو جدير بالملاحظة أن المرأة الحرة لم تكن لها تلك الحرية التي كانت للرقيقة، وذلك بسبب الحجاب الذي فرض عليها منذ العصر الأموي وقصر عملها على تربية أولادها والغزل والحياكة وتعلم القرآن فقط.
أما لباس الناس في هذا العصر فإنه لم يتبدل كثيرا عما كان عليه في العصر الأموي وما قبله؛ سروال وقميص وقفطان، ورداء خارجي من عباءة أو جبة وعمامة أو كوفية على الرأس، والشيء الوحيد الجديد هو أنه قد جعل للعلماء زي خاص رتبه لهم القاضي أبو يوسف، وهو العمامة ومن فوقها الطيلسان.
17
أما النساء فكن يلبسن الشفوف؛ الثياب والصدريات، وقد يلبسن سراويلات خاصة بهن، وكن يضعن على رءوسهن ما يستر شعورهن، وفي العصر العباسي استحدث نوع من أغطية الرأس خاص بهن، قيل: إن أول من اخترعه هي السيدة علية أخت الرشيد، وهو، على ما رووا، قبعة من حرير مزركشة مقببة في أسفلها دائرة يمكن ترصيعها بالجواهر والحلي.
وأما البيوت وأثاثها ورياشها، وخاصة دور الأعيان والوجوه، فقد بلغت حدا عاليا في الترف من سعة في البناء، وفخامة في الجمال والزخرف، واستكمال مظاهر الرفاهية والراحة، ففيها الكراسي الأنيقة والسجاجيد البارعة والدواوين المطرزة والمصابيح المذهبة وأصص الورود والأزهار والرياحين، وأواني الطعام والشراب والطبخ الفضية والزجاجية والعاجية والمطعمة والمكفتة، وكانت منازل الوجوه والأعيان تبرد في الصيف بالثلج بطرق خاصة.
18
وأما دور عامة الناس فقد استوفرت مظاهر الراحة ومحتاجاتها، بل ربما بلغت حدا من الترف، فقد رووا أنها كانت تحتوي على أواوين وحمامات وزينات بالفسيفساء والزخارف والنقوش والجص المصور وغالي الأخشاب ومدهش الأصباغ، كما تجلى هذا لقارئ «كتاب ألف ليلة وليلة»، وكما اعتنى الناس بدورهم اعتنوا بمجالي اللهو ومظاهر السرور من سفرات ترفيه وصيد وقنص وتربية للحيوانات والطيور الظريفة، وإقامة حفلات لهو ولعب وإحياء مواسم الأعياد والمهرجانات العامة والألعاب الرياضية والسحرية ومسابقات الخيول والرهانات، وقد أورد المسعودي وصف يوم بديع أجرى فيه الرشيد الخيول في الرقة وجلس في صدر الميدان؛ حيث توافت إليه الخيل فإذا خيله في أوائلها فسر بذلك. (8) الحياة الاقتصادية
رأينا فيما أسلفنا رقي الحياة الاجتماعية وتنظيم الموارد المالية تنظيما متقنا، وهذا يدلنا على وضع الحياة الاقتصادية، فالرقي والحضارة لا يكونان إلا حيث تكون الحياة الاقتصادية ذات مستوى عال، سواء في الزراعة أو في التجارة أو الصناعة، وسنقف وقفة قصيرة أمام كل نوع من هذه الأنواع التالية: