عنايته بالأمن في العاصمة والأقاليم
فقد اهتم الرشيد اهتماما كبيرا بحفظ الأمن وطمأنينة الناس في العاصمة والأقاليم، فكان يوصي أصحاب الأخبار بأن ينقلوا إليه بسرعة وأمانة كل ما يتعلق بشئون الأمة وأخبار الناس وأحوالهم؛ ليكون على اطلاع بما يجري في أرجاء مملكته، وكان المشرف المباشر على هذه الناحية من الإدارة هو «صاحب الشرطة»، وقد اختار الرشيد بنفسه لهذا المنصب رجلا عرف بالنزاهة والنبل وهو «عبد الله بن مالك»، فقد كان من دهاة الرجال وعقلائهم وأصحاب العلم والفضل، قال صاحب «حضارة الإسلام في دار السلام، ص134» متحدثا عن الرشيد: «نظر في صلاح الوزراء ودس فيها العيون بإمرة عبد الله بن مالك (صاحب الشرطة)؛ لملافاة الخلل الذي يطرأ عليها من وفود الأغراب واختلاطهم، وأقام العسس بالليل لمحافظة الدروب إلى أن وقع الأمن في أحيائها وخيم السلام على أرباضها.» ويقول ابن خلدون في المقدمة (ص218)، في معرض حديثه عن وظيفة صاحب الشرطة: «وكان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن يقيم أحكام الجرائم في حال استبدائها أولا، ثم الحدود بعد استيفائها، فإن التهم التي تعرض في الجرائم لا نظر للشرع إلا في استيفاء حدودها، وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها بإقرار يكرهه عليه الحاكم إذا احتفت به القرائن لما توجبه المصلحة العامة في ذلك، فكان الذي يقوم بهذا الاستبداء وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزه عنه القاضي، ويسمى صاحب الشرطة.»
عنايته بتنظيم عمران العاصمة
وصلت العاصمة الإسلامية الكبرى في عهده إلى درجة رفيعة من حيث العمران والفخامة وكثرة الدور الجليلة والقصور الفخمة والمرافق العامة، قال الشيخ الخضري في محاضراته عن العصر العباسي: «وصلت بغداد في عصر الرشيد إلى قمة مجدها ومنتهى فخارها، أما من حيث العمران فقد فاقت كل حاضرة عرفت لعهدها، وبنيت فيها القصور الفخمة التي أنفق على بنائها مئات الألوف من الدنانير، وتأنق مهندسوها في إحكام قواعدها وتنظيم أمكنتها وتشييد بنائها.» وقال الخطيب البغدادي (في تاريخ بغداد، 1: ص119): «لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها، وكثرة دورها ومنازعها ودروبها وشعوبها ومحالها وأسواقها وسككها وأزقتها ومساجدها وحماماتها وطرزها وخاناتها، وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها وصحة ربيعها وخريفها.» وقد أجاد صاحب «حضارة الإسلام في دار السلام» في وصف المدينة في صفحة 27 وما بعدها فليرجع إليه.
عنايته بتنظيم موارد الدولة المالية
ازدهرت الإدارة المالية في عهد الرشيد ازدهارا رائعا، سواء أكان ذلك في طرق الجباية، أو في تفنين قوانين الخراج والضرائب أو في تنظيم المصارف، ويذكر الجهشياري في كتاب «الوزراء والكتاب» (ص288) أن موارد الدولة كانت في عهد الرشيد قد بلغت 530312000 درهما، ولا ريب في أن الرشيد قد اعتنى بالخراج وغيره من موارد بيت المال عناية خاصة، فاختار لتنظيم هذه الناحية جماعة من الأمناء والفضلاء الذين أوتوا نصيبا وافرا من الخبرة والعلم في تنظيم الأمور المالية، وقد جعل على رأس هؤلاء جميعا فقيها جليلا قادرا، هو قاضي القضاة الإمام أبو يوسف تلميذ الإمام الأعظم، وطلب إليه أن يرتب أمر بيت المال من خراج وضرائب وغيرهما كما يراه، ويكتب بذلك كتابا يكون قانونيا موثوقا ومرجعا أمينا في ذلك؛ حتى لا يقع غبن على الناس أو بيت المال، فألف كتابه المشهور بكتاب «الخراج»، هذا ما يزال - من حسن الحظ - بين أيدينا، وهو مصدر أمين لدراسة الشئون المالية والحسابية في ذلك العصر، وأحب أن يقف القارئ الكريم معي وقفة نعرض فيها لمباحث هذا الكتاب الجليل، فنطلع على أسلوب النظام المالي للدولة الإسلامية في عهد الرشيد والعهود التي تلته؛ لأن الكتاب أضحى مرجع الفقهاء والحكام خلال عصور التاريخ الإسلامي كلها.