تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا انتهت دولة البرامكة، وقد انقسم المؤرخون في سردها قسمين: مناصر ومعاد، وكل يبالغ في أقواله حتى تعقدت أخبارها وأصبح استخراج الحقائق منها أمرا عسيرا، ومهما يكن من شيء فإن للبرامكة آثارا لا تنكر في تنظيم الدولة العباسية وإحياء الثقافة ونشر العلم وبث الجود، كما أن لهم مساوئ؛ منها: إحياء الروح العنصرية الفارسية، وتقوية فكرة الاستبداد، والعمل على تجزئة الدولة وتقوية عناصر التحزب والانقسامات فيها، ويزعم بعض المؤرخين «أن الفتك بهم كان أول ركيزة انهدمت من ركائز الدولة»، وهذا قول مبالغ فيه؛ فإن الرشيد كان في أوج قوته والدولة عزيزة به، ولكن الشيء الذي يمكن أن نقوله ها هنا هو أن العناصر الفارسية أخذت تكيد للدولة منذ ذلك الحين وتعمل على هدمها، وقد تجلى ذلك في الفتنة بين الأمين والمأمون كما سنرى بعد. (5) الأحوال الإدارية في عصره (5-1) الوزارة، الإدارة، الخراج

رأينا أن الرشيد كان أول ما استخلف قد عهد بوزارته وإدارة دولته إلى يحيى بن خالد البرمكي الذي كان كاتبه ونائبه قبل الخلافة، وكان يحيى هذا عالما كاتبا عاملا حازما جوادا، نهض بأعباء الدولة أتم النهوض، وسد الثغور، وتدارك الخلل، وجبى الأموال، وعمر الأرض، وأظهر رونق الخلافة، وتصدى لمهمات المملكة، وكان أولاده الفضل وموسى وجعفر ومحمد وأولادهم يعاونونه في أعمال الوزارة والإدارة، سواء أكان ذلك في المركز أو في الأقاليم.

أما «الفضل» فكان أكبرهم ورأسهم، وقد ولد سنة 148ه، وهو أخو الرشيد رضاعا، وكان ينوب عن أبيه في الوزارة، ولما ولد الأمين جعله الرشيد تحت رعايته، وولاه بلاد الري وجوزجان وطبرستان وخراسان، وكان نزيها محمود السيرة رءوفا بالناس، وكانوا يسمونه «الوزير الصغير» وأباه «الوزير الكبير».

وأما «جعفر» فكان حسن الخلق جم العلم عالي الهمة قريبا من قلب الرشيد، ولاه مصر ثم خراسان، وبعثه إلى الشام مرات لتهدئة الثورات فيها فأحسن تصريف الأمور.

وأما «موسى» فكان أشجعهم، وكان معروفا بنبله وفروسيته، ولاه الرشيد الشام فأحسن الإدارة فيها، ونشر في الناس العدل والفضل، وإن لم يكن له شهرة أخويه.

وأما «محمد» فكان أصغرهم ولم يكن من الشهرة ما لإخوته، ولكن كان إليه أمر الاتصال بالناس وتبيين فضل البرامكة وتثبيت مكانتهم لدى العامة.

ولما نكب الرشيد البرامكة عهد بوزارته إلى أبي العباس الفضل بن الربيع الذي كان حاجبا للمنصور ثم المهدي والهادي والرشيد، وكان عارفا بشئون الدولة حسن التدبير والإدارة وحب العلم، وفي عهده ازدهرت الحركة العلمية والأدبية لما كان يميل إليه من حب الأدب والعلم، وقد استمر في وزارته إلى أن مات الرشيد.

ويظهر أن الرشيد لم يكن في أول الأمر متشددا في محاسبة عماله أو في إدارتهم، ولا أدل على ذلك من قصة علي بن عيسى بن ماهان الذي عاث في البلاد فسادا، ولكنه كان يبقيه في عمله لرضاه عنه، وكذلك كان «يحيى» و«الفضل» و«جعفر» و«موسى» يتصرفون في الأعمال تصرفا مطلقا؛ يمنحون الأموال والبلاد طعمة سائغة إلى من يريدون دون رقيب أو حسيب، فقد ذكر الطبري في حوادث 178ه أن الفضل لما شخص إلى خراسان أميرا عليها منح ولاية سجستان وخراجها لإبراهيم بن جبريل استرضاء له، ولم يكتف بذلك، بل زاده أموالا وهدايا جليلة، وهناك شواهد أخرى كثيرة تؤيد ما ذهبنا إليه، ولكن على الرغم من هذا فإن الرشيد اهتم بأشياء أخرى لها علاقة بالإدارة نذكر منها:

عنايته بالقضاء وأهله

فقد استحدث منصب «قاضي القضاة»، وأقام قضاة في كل أرجاء الإمبراطورية الإسلامية العظمى للقضاء بين الناس وكتابة العقود (مقدمة ابن خلدون، ص225) ونظام القضاة، وإن كان قديما يرجع إلى عهد الخلفاء الراشدين، إلا أن الرشيد هو أول من نظم شئونهم وأوجد منصب قاضي القضاة، وعهد به إلى الإمام أبي يوسف صاحب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وأعتقد أن منصب قاضي القضاة هذا هو بمثابة «وزير العدل» في أيامنا، فقد كان يقيم إلى جانب الخليفة يفتيه في مسائل الدولة الدينية والدنيوية، ويتولى أمر تسمية القضاة في الأمصار التابعة للإمبراطورية وينوبون فيها عنه، وفي هذا الوقت اتسعت سلطة القضاة، فبعد أن كانوا ينظرون في الخصومات والقضايا المدنية والجنائية صاروا يفصلون في قضايا الأوقاف والوصاية والمظالم والحسبة، والإشراف على «بيت المال» وأموال الأيتام (راجع كتاب «النظم الإسلامية» للدكتور حسن إبراهيم، ص336؛ وكتاب «ديمومبين»، ص203).

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٤٣