تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 (الطبري).

فلما قرأه الرشيد استفزه الغضب ودعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام.» ثم سار بنفسه لقتاله حتى أناخ بأبواب هرقلة، ففتح وغنم وحرق وضرب، فطلب نقفور الصلح والموادعة على خراج يؤديه سنويا وجعل مقدار الجزية دينارا واحدا على كل حالم من الروم، وأن لا يبني نقفور الحصون المهدومة، فقبل الرشيد، ولما وصل إلى الرقة بلغه أن نقفور نقض العهد، وكان البرد شديدا فلم يثنه ذلك عن الرجوع والإيقاع بجند نقفور، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:

إمام الهدى أصبحت بالدين معنيا

وأصبحت تسقي كل مستمطر ريا

لك اسمان شقا من رشاد ومن هدى

فأنت الذي تدعى رشيدا ومهديا

بسطت لنا شرقا وغربا يد العلا

فأوسعت شرقيا وأوسعت غربيا

تحلبت الدنيا لهارون بالرضا

فأصبح نقفور لهارون ذميا

وفي سنة 189ه كان الفداء بين المسلمين والروم، ويقول الطبري: «فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي فيما ذكر.»

7

وقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:

وفكت بك الأسرى التي شيدت لها

محابس ما فيها حميم يزورها

على حين أعيا المسلمين فكاكها

وقالوا سجون المشركين قبورها

وفي تلك السنة نقض نقفور العهد مستغلا اشتغال الخليفة بحوادث الفتن في خراسان، فأعاد بناء حصون «أنقرة» و«الصفصاف» و«كنيسة السوداء» و«دبسة»، وفتح «طرطوس» و«عين زربة»، ولكن حامية «المصيصة» استطاعت أن تسترجع الأسلاب والأسرى، وفي سنة 190ه عزم الرشيد على تأديب نقفور لنقضه العهد، فتوجه إليه بجيش يذكر الطبري أنه كان من 135 ألف مرتزق سوى الأتباع والمطوعة ومن لا ديوان له، ففتح «هرقلة» وسبى أهلها بعد حصار شهر، ثم اتجه نحو «الطوانة» فعسكر بها وافتتح قواده حصون «دبسة» و«الصفصاف» و«ملقوبية» و«حصن الصقالبة» و«صملة» و«حصن ذي الكلاع»، وولى حميد بن معيوف سواحل البحر إلى حدود مصر، ووقع في يد المسلمين عدد كبير من الأسرى والرقيق، واضطر نقفور أن يعرض الصلح ويدفع الجزية عن رأسه، وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار، على أن لا يخرب الرشيد حصن «ذي الكلاع» ولا «صملة» ولا حصن «سنان»، واشترط الرشيد أن لا تعمر هرقلة، وأن يدفع نقفور 300 ألف دينار للمسلمين.

8

وفي السنة 191ه ولى الرشيد غزو الصائفة هرثمة بن أعين ومعه ثلاثون ألف من الخراسانيين وتوجه الرشيد بنفسه لوداع الحملة في درب الحدث، ثم قفل راجعا إلى الرقة، وأمرهم بهدم الكنائس بالثغور، ولم تكن حملة المسلمين هذه السنة حملة ناجحة.

وفي سنة 193ه وقع فداء بين المسلمين والروم بالبدندون

Podandos ، وذلك قبل وفاة الرشيد رحمه الله. (3-2) المسلمون والفرنجة

تنفرد كتب التاريخ اللاتينية

9

بذكر إيفاد بعثة من الملك شارلمان إلى الرشيد، ولا نعرف السر في إهمال المصادر العربية لهذا الحادث مع أنه ممكن الوقوع وجد معقول، فإن تتويج شارلمان في روما وتأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدسة في سنة 800م كان يقضي أن يتصل الإمبراطور المقدس في المغرب بزميله في المشرق، ويتعرف إلى أحواله ويري العالم المسيحي أنه ذو صلة بالمشرق وأميره، ولكن المصادر الشرقية من إسلامية وغير إسلامية لا تذكر شيئا عن هذه الوفادة، ولعل الزمن يكشف لنا بعض الأخبار عنها، أما خلاصة ما ورد في المصادر الفرنجية اللاتينية فهي أن شارلمان أرسل وفدين إلى الرشيد؛ أحدهما كان سنة 797م، والثاني في سنة 802م، وأن الرشيد قابله بإرسال وفدين: أولهما في سنة 801م والثاني سنة 807م.

وأما وفد شارلمان الأول فكان مكونا من ثلاثة أشخاص؛ اثنان من أعيان المسيحيين هما «لانت فريد» و«سجموند»، ومعهما مترجم يهودي اسمه إسحاق، وأن الوفد قد قضى في ديار الإسلام ثلاث سنوات، مات خلالهما الرسولان ورجع المترجم وحده في سنة 802م، وفي سنة 801م ذهب الوفد الإسلامي إلى بلاط شارلمان، وكان مكونا من شخصين أحدهما فارسي والثاني مغربي ممثل عن الأمير إبراهيم بن الأغلب، وفي سنة 802م أرسل شارلمان وفده الثاني، وكان يحمل معه هبات لكنيسة القيامة في القدس، وأنهم بعدما زاروا الكنيسة قصدوا الرشيد، وعندما عرضوا على الخليفة مطالب شارلمان لباها جميعا، وكانت تنحصر في طلب الإشراف على الأماكن المقدسة المسيحية في ديار الإسلام وحماية النصارى فيها، ويرى البروفسور هالفن أن أقوال أينهارد المؤرخ اللاتيني غير معقولة؛ لأنه كثير المبالغة في تفخيم اسم إمبراطوره، وقد رجع هذا الوفد في سنة 806م، ثم في سنة 807م ووصل بلاط الإمبراطور شارلمان رسول عن الرشيد اسمه عبد الله، ومعه راهبان عن بطريق بيت المقدس توما، وكان مع رسول الخليفة هدايا نفيسة، وهو صوان ملونة فاخرة وأقمشة حريرية زاهرة وعطور وطيوب، وساعة مائية، وأوان نحاسية مطعمة.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٣٨