تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4

وصفوة القول أن الفتن كانت تعم مملكة الرشيد في سني ملكه الأولى، وما ذلك، فيما نرى، إلا لتساهله في إدارة الأمر وترك شئون الدولة للعمال يتصرفون بها كما يريدون، وقد ظل ذلك إلى أن عزم الرشيد على أن يتولى إدارة ملكه بنفسه، فقضى على آل برمك وعلى أعوانهم بزمام الحكم فصفا له الجو، وانتظمت شئون المملكة. (3) الأحوال الخارجية في عصره (3-1) المسلمون والروم

اهتم الرشيد اهتماما كبيرا بالثغور الإسلامية المتاخمة لبلاد البيزنطيين؛ لعنايته بنشر النفوذ الإسلامي من جهة، ولتقوية حدوده من جهة أخرى، ولذلك لم تكد تخلو سنة من سنوات حكمه الثلاث والعشرين من غزو صائف أو شات يشنه على الروم البيزنطيين.

ويظهر على الرغم من عناية الرشيد بهذه الصوائف والشواتي، لم تكن له خطة مرسومة لفتح بلاد الروم والاستيلاء على أوروبا؛ لكثرة المشاكل الداخلية، ففي سنة 170ه، وهي السنة الأولى من حكمه أمر بفصل الثغور الشامية عن الجزيرة وسماها «العواصم» وجعلها منطقة عسكرية مستقلة قاعدتها «منبج» بعد أن كانت تابعة للجزيرة.

قال الطبري: «وفيها؛ أي سنة 170ه، عزل الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزا واحدا، وسميت «العواصم»، وفيها عمرت «طرطوس» على يد أبي سليم فرج الخادم التركي ونزلها الناس، ولا شك في أن غرض الرشيد من بناء هذه المدينة وفي إيجاد منطقة العواصم هو إيجاد منطقة عسكرية خاصة تهتم بالحدود وتمون الصوائف والشواتي السنوية، وتكون على اتصال دائم بالحدود ومعرفة ما يبيته الروم للمسلمين.»

وقد كانت الصوائف سنوية فلا يكاد يقدم الصيف حتى تكون الصائفة في طريقها إلى الغزو والفتح، ولم يكتف الرشيد بالغزو البري، بل أعد أسطولا بحريا لذلك، واتخذت سواحل الشام ومصر وقبرص مراكز لهذه العمارة البحرية، وإليك أخبارا مجملة عن أهم الصوائف والغزوات البحرية التي قام بها الجيش الإسلامي لغزو بلاد الروم في عهد الرشيد:

في سنة 174ه/سنة 790م سار الأسطول الإسلامي من مصر إلى قبرص، ومنها إلى السواحل البيزنطية في آسيا الصغرى، حيث قابلهم الأسطول البيزنطي، وكانت الغلبة للمسلمين، فأسروا أمير البحر البيزنطي.

وفي سنة 181ه/797م في الشاتية غزا الروم عبد الملك بن صالح العباسي حتى بلغ أنقرة وافتتح «مطمورة» ومشيها أيضا في الصائفة، وفي تلك السنة غزا الرشيد بنفسه أرض الروم فافتتح عنوة «حصن الصفصافة»، فتوجه للقائه قسطنطين السادس ابن الإمبراطورة إيرين غسطة التي يسميها العرب «ريني»، وفي تلك السنة أيضا حصل أول فداء للأسرى بين الروم والمسلمين، يقول ابن الأثير: «وفيها (أي في سنة 181ه) كان الفداء بين الروم والمسلمين، وهو أول فداء كان أيام بني العباس وكان القاسم بن الرشيد هو المتولي له، وكان الفداء بالأمس على جانب البحر بينه وبين طرطوس 12 فرسخا، وكان عدد الأسرى 3700 وقيل أكثر.»

5

وفي سنة 183ه قبل الرشيد أن يعقد صلحا بينه وبين الإمبراطورة ريني على أن تدفع الجزية، واستمر ذلك إلى سنة 187ه حين تولى الإمبراطور نقفور عرش الروم، فنقض عهد الصلح وبعث الرشيد ابنه القاسم فحاصر حصن قرة

Cerum ، وحاصرت إحدى فرقه حصن سنان حتى جهد، فبعث إليه الروم أنهم يبذلون له «320» أسيرا لقاء فكه الحصار ورحيله عنهم، فأجابه إلى ذلك، ومات علي بن عيسى بن موسى في هذه الغزاة بأرض الروم، ولما رجع القاسم كان نقفور قد رتب أموره الداخلية فعزم على أن يقف موقفا جديدا من المسلمين، وكتب كتابا إلى الرشيد حفظ لنا الطبري نصه وفيه يقول: «من نقفور ملك الروم إلى هارون الرشيد ملك العرب، أما بعد؛ فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثالها إليها، ولكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك»

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٣٧