هذه هي خلاصة ما ورد في المصادر الإفرنجية عن تلك الوفادات، ويرى المؤرخون الأوروبيون أن شارلمان قصد من ورائها تأييد خليفة بغداد المعنوي في استرداد الأندلس، ورغبة شارلمان في تأييده بطارقة المشرق في أنطاكية والإسكندرية والقدس؛ ليقفوا معه ضد بطريق القسطنطينية الذي كان يعضد البيزنطيون خصوم شارلمان ومنافسيه على ميراث تاج الإمبراطورية الرومانية.
أما الرشيد فإنه قصد بوفاداته تقوية مركزه ضد أعدائه الأمويين في الأندلس، وبسط نفوذه عليهم، ومعاونته في القضاء على خصومه البيزنطيين، والقضاء على نفوذهم المعنوي عند نصارى الشام والجزيرة بتقوية صلاتهم بالعرب.
هذا ما ورد في المصادر الإفرنجية القديمة، وما تناقلته عنها المصادر الإفرنجية الحديثة، أما المصادر العربية القديمة فتهمل هذه القصة إهمالا كليا، أما المصادر الحديثة فتشير بعضها إليها وقد ذكرها جماعة من المحدثين العرب، ومنهم الأستاذ جميل مدور فقد ذكر في كتابه اللطيف «حضارة الإسلام في دار السلام» خلاصة الحديث الذي دار بين الرشيد ورسوله إلى شارلمان لقوله: «إنا أتانا من ملك الفرنجة رسول يقرئنا منه السلام، ويلتمس جميل رعاياتنا بمن يحج إلى بيت المقدس من ملته، فرأينا أن نوجهك إليه بلطائف تروم إليه أن يتقبلها في سبيل المودة لغاية ترغب فيها إليه من التعصب على بني أمية الذين يمزقون الأندلس بما هو واقع بينهم من الحروب، فإذا وافقنا على ما نروم من الاستيلاء على ديارهم فهو المقصود من إيفادك إليه في هذه الرسالة، وتقدم إليه بالوعد الجميل بأننا نوفيه حقه في يوم الفتح، ونصرف له نفقة الحرب من بيت مالنا، ونجري الأرزاق الواسعة على جنده ونقاسمه ما تحوي خزائن الظالمين من المال والجوهر، واستصحب معك هذا اليهودي الذي جاء به رسوله ... وكان في لطائف الخليفة الأنبرذور فيل عظيم أبيض كان عند المهدي، وأقمشة فاخرة من الوشي المنسوج بالذهب، وبسط ديباج من طبرستان، وأعطار من اليمن والحجاز، ومسك وصندل وأعواد من الهند، وسرداق عظيم مجلل بأنواع الحرير، وكلاليبه من الذهب الملبس بالوشي، ومزولة كبيرة تدل على الأوقات في ليل ونهار، وهي من عمل صناع بغداد، وشطرنج بديع الحسن قد اتخذت أدواته من العاج.»
10
وممن ذكرها أيضا من المحدثين الدكتور فيليب حتي ورفقاؤه، فقد ذكروا في «تاريخ العرب المطول» أن: «القرن التاسع طلع فإذا زعامة السياسة العالمية يتقاسمها اثنان؛ شارلمان في المغرب وهارون الرشيد في المشرق، وليس من شك في أن الرشيد كان أقوى الاثنين وأرفعهما ثقافة، أما العلاقة الودية بينهما فنتاج المصلحة المتبادلة، فقد ابتغى شارلمان من مصادقة الرشيد الاستعانة به على عدوته بيزنطة؛ كما كان الرشيد يبتغي من مصادقة شارلمان الاستعانة به على أعدائه أمويي الأندلس» ... وروى كتاب الغرب أن هذه المودة بين الاثنين أدت إلى تبادل السفراء والهدايا مرارا، ومصدر هذه الرواية كتاب في «أخبار الملوك» تعرض أيضا لهدايا أخرى من بغداد بينها ساعة دقيقة الصنع، أما خبر الأرغن ذي الأنابيب الذي يروى أن الرشيد أرسله إلى شارلمان فهو غير صحيح ... كذلك قل في حكاية إهداء مفاتيح قبر المسيح إلى شارلمان فإنها مما نفاه البحث العالمي.
والغريب في أمر هذه الهدايا والسفارات أنه يرد لها ذكر في المصادر العربية، فهناك إشارات إلى مراسلات ومجاملات دبلوماسية، أما هذه التي نحن بصددها فلم ترد ... وقد أورد العقد (يعني كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي) كلاما عن عدة مراسلات بين خلفاء بني أمية وأباطرة بيزنطة، وذكر وفدا من لدن ملك الهند جاء يحمل الهدايا الفاخرة إلى الرشيد، ووصف الاستقبال الفخم الذي لقيه ذلك الوفد،
11
وممن ذكرها الدكتور عبد العزيز الدوري في كتابه عن «العصر العباسي الأول»، فإنه بعد أن أورد النصوص التي وردت فيها هذه الأخبار علق عليها بما خلاصته: «يكتنف المصادر اللاتينية غموض واضطراب، فالمصدر الأول وهو «الأخبار الملكية» مقتضب لا يساعد على تعيين الصلات، بينما قصد «أينهارد» تفخيم سيده ورفع اسمه، وفي الكتاب أخطاء كثيرة ولا يعتمد عليه، أما الراهب سانت كال