كان الخوارج ساكنين مسالمين بعد الضربات القوية التي تلقوها أيام مروان بن محمد في آخر الدولة الأموية، وأيام أبي مسلم في صدر الدولة العباسية، ولكن يظهر بعد أن رأوا آثار ضعف في الدولة الجديدة أنهم استجمعوا قواهم خلال الفترة التي أعقبت زمن المهدي، ورأوا تساهل الرشيد في أول عهده وتسامحه فعزموا على تجديد نشاطهم، وفي سنة 178ه خرج الوليد بن طريف أحد الخوارج الشراة في نصيبين من أرض الجزيرة، ففتك بعاملها وهزم الجيش العباسي، وأخذ سلطان طريف يتسع حتى بلغ أرمينية وأذربيجان، وأخذ يهدد العراق نفسه، فبعث الرشيد إليه جيشا بقيادة يزيد بن مزيد الشيباني للقضاء على حركته، فالتقى جمعاهما وقتل يزيد وليدا سنة 179ه، فتولت ليلى بنت طريف أخته مكان أخيها وكانت عاقلة قوية، فاستطاع يزيد أن يتغلب عليها وتمكن من أن يقضي على هذه الفتنة. (2-5) فتن الشام
كانت بلاد الشام في زمن قديم مسرحا لفتن داخلية تشب نارها بين الحين والحين في عهد أمية بسبب الانقسامات القبلية بين العدنانية والقحطانية، ويظهر أن روح هذه الحركة أخذت تمد رأسها من جديد في العهد العباسي، وقد شجع العباسيون هذه الروح للتخلص من خصوم أقوياء كان هواهم مع بني أمية، ولكنهم أخذوا يحسون بعد أن عظم الخطر أن الأمر أجل من أن يسكت عنه؛ لأن الدماء أخذت تسيل بين الجانبين بكثرة، حتى بات أمن البلاد مهددا، وأصبحت الطرق التجارية والمواصلات الاقتصادية مضطربة، فأخذت الدولة تفكر في سبيل وضع حد لهذه الفوضى والفتنة، ومن تلك الفتن فتنة سنة 176ه حين قام اليمانية ضد النزارية، واشتبكوا اشتباكا قلقل راحة البلاد، وكان عامل الشام موسى بن عيسى فلم يستطع إخماد الفتنة وكتب إلى الخليفة ، فأرسل الرشيد إليه موسى بن يحيى بن خالد البرمكي على رأس جيش ليعيد الأمن إلى نصابه ويهدئ الثورة، وكان موسى حازما عاقلا فاستطاع أن يعيد الهدوء ويصلح بين الطرفين النزارية والقحطانية، وقد فصل الطبري في حوادث سنة 176ه مواقع هذه الفتنة وأخبارها، ولم تمض فترة حتى نشبت الثورة من جديد بين الجانبين، فقضت عليها الدولة أيضا، ثم تكررت ثالثة ورابعة إلى أن كانت سنة 180ه ففيها وقعت حوادث جسام بين الجانبين، واضطر الرشيد إلى أن يبعث جعفر بن خالد البرمكي ليقضي على الثورة، كان جعفر بارعا وموفقا بالقضاء على تلك الثورة وإخماد نيران الحوادث الدامية فيها وإعادة الطمأنينة إلى البلاد، والحق أن روح العصبية القبيلة البدوية المقيتة التي كانت تسيطر على الجانبين كانت سبب معارك ومذابح لم تزل باقية حتى أيامنا هذه، ولا بأس من إيراد مقطوعة قالها منصور النمري يصف فيها الثورة التي وقعت بين الجانبين في سنة 180ه، ويذكر جهود جعفر البرمكي في القضاء عليها:
لقد أوقدت بالشام نيران فتنة
فهذا أوان الشام تخمد نارها
إذا جاش موج البحر من آل برمك
عليها خبت شبانها وشرارها
رماها أمير المؤمنين بجعفر
وفيه تلاقى صدعها وانجبارها ... لقد نشأت بالشام منك غمامة
يؤمل جدواها ويخشى دمارها
فطوبى لأهل الشام يا ويل أهلها
أتاها حياها أو أتاها بوارها
فإن سالموا كانت غمامة نائل
وغيث وإلا فالدماء قطارها (2-6) فتنة اليمن
قامت في اليمن فتنة قوية ضد الدولة العباسية في سنة 179ه، فقد كان الوالي حماد البربري شديد الجور عسوفا، ضاق الناس به فثاروا عليه ودامت المعارك بينهم وبين حماد تسع سنوات، استطاع حماد في نهايتها أن يقبض على الهيثم بن عبد المجيد الهمذاني زعيم الثورة، ولكن الحالة لم تهدأ إلا بعزل حماد والسير بالسكان سيرة صالحة.
3 (2-7) فتنة إفريقية
في سنة 178ه وثب في إفريقية عبدويه الأنباري فشق عصا الطاعة وأعلن عصيانه على الرشيد، وأخرج من كان بها من أهل المهلب بن أبي صفرة ودعا إليه شيوخ النواحي فقدموا إليه وخضعوا له، فكثرت جماعته حتى اضطر الرشيد أن يبعث إليه بقطن بن موسى ومنصور بن زياد، كما بعث يحيى بن خالد وزير الرشيد كتابا إلى عبدويه يرغبه في الخضوع والانصياع لأمر الخليفة، ويطمعه في عفوه عنه إذا ما عاد إلى الطاعة، فعاد هذا إلى الطاعة ثم قدم بغداد فوفى له يحيى بما ضمن له عند الرشيد ووصله.