1
وممن ثار عليه منهم: إدريس بن عبد الله بن الحسن، وكان ممن نجوا أيضا من وقعة «فخ» وهو أخو يحيى السابق، وذهب إلى مصر ثم إلى شمال إفريقية، ودخل المغرب الأقصى، ودعا لنفسه فالتف الناس حوله وبايعوه في سنة 172ه، وكان ذلك مبدأ ظهور دولة الأدارسة هناك، وقد أراد الرشيد الفتك به، ولكنه علم بقوته فلجأ إلى الحيلة ودس إليه سليمان بن جرير فسمه في سنة 177ه، ومنهم موسى بن جعفر الكاظم، فقد روى الطبري وابن الأثير أنه وشي به إليه أنه يريد الثورة، وأن الناس يحملون إليه خمس أموالهم، فخاف الرشيد من موسى الكاظم وعزم على أن يحج في ذلك العام ويحتال على الكاظم، فلما وصل المدينة استدعاه إليه وكلمه، رأى منه رجلا داهية عاقلا فخاف منه، ثم حمله معه في قبة إلى بغداد فحبسه في دار السندي بن شاهك، ثم قتل أو سم، وأظهر للملأ أنه مات حتف أنفه، وشهدت عدول بذلك وطويت صفحته ودفن في مرقده المعروف اليوم بالكاظمية في بغداد. (2-2) فتنة علي بن عيسى بن ماهان
ولى الرشيد علي بن عيسى على خراسان، على الرغم من معارضة يحيى بن خالد في ذلك؛ لما يعرفه من سوء أمر علي وفساد إدارته، ولما استقر علي في إمارته ضاق الناس بظلمه وأخذوا يشتكون إلى الخليفة، ولكن الأموال والألطاف التي كان يبعث بها إلى الخليفة كانت تجعله يغض النظر، ثم ضج الخراسانيون من عسف علي وكتبوا إلى الرشيد، فعزم على لقائه وسار إلى إيران سنة 189ه، فلقيه علي بالري فبرأ نفسه من كل ما اتهم به، ولما رجع الرشيد إلى العراق أخذ علي يفتك بالخراسانيين ويضيق عليهم، ثم جرت حوادث تأكد بها الرشيد من فساد طوية الرجل وسوء إرادته، فبعث إليه هرثمة بن أعين وأوصاه أن يتلطف في أمر القبض عليه، ولما وصل هرثمة مرو أحسن علي بن عيسى استقباله وأنزله في قصره، ولم يظهر له هرثمة شيئا أول الأمر، ثم أطلعه على كتاب من الرشيد بعزله وتوليته مكانه، فأسقط في يده وأراد الهرب، فأمسك به هرثمة وقيده هو وأولاده، وخطب في الناس وأخبرهم بعزل علي وتوليته هو أمرهم، وأن أمير المؤمنين بعث به لينصفهم، فارتفعت أصواتهم بالتهليل والشكر، وما استقر هرثمة في مرو حتى بلغت أسماعه أنباء ثورة كبيرة قامت في خراسان بقيادة رافع بن الليث بن نصر بن سيار، فخرج إليه هرثمة بنفسه في سنة 193ه، ولكن منيته أدركته بطوس فلم يستطع إتمام ما خرج من أجله، وأما علي بن عيسى وأولاده فإن هرثمة كان استصفى أموالهم وبعثهم في الأغلال إلى الرشيد، ففتك بهم شر فتكة. (2-3) فتنة رافع بن الليث بن نصر بن سيار
اختلفت أقوال المؤرخين في سبب ثورة رافع على الرغم مما عرف من أن آل رافع هم من موالي العباسيين وأنصارهم المخلصين؛ فالطبري يذكر أن السبب هو شخصي بحت، وهو أن رافعا اتهم بالزنا فأقيم عليه الحد وثار، ويقول ابن قتيبة: إن علي بن عيسى لما ولي خراسان أساء السيرة وتحامل على من كان بها من العرب فخرج عليه رافع.
2
ومهما يكن السبب، فإن رافعا استطاع أن يجمع جموعا كبيرة من الخراسانيين والعرب ويستولي على سمرقند وبلخ وأشروسنة، ولا شك في أن ظلم علي بن عيسى قد لعب دورا كبيرا في نجاح حركة رافع، ويذكر ابن واضح اليعقوبي أن أهل فرغانة والصغانيان وأشروسنة وبخارى وخوارزم كلهم التفوا حول رافع كرها للعباسيين وتخلصا من ظلم علي بن عيسى، وقد اجتمعت لرافع أسباب أخرى غير هذه قوت مركزه؛ منها أن حكام بلاد الشاش وبلاد الترك قد رأوا في ثورة رافع على العباسيين إنقاذا لهم من خطر الغزو العباسي، فأيدوه في حركته الانفصالية التي أخذت تقوى حتى صار سلطان رافع يعظم، ومات الرشيد والفتنة ما تزال قوية، وفي عهد المأمون استسلم رافع ورجعت البلاد التي كانت تحت سطوته إلى حوزة الدولة العباسية. (2-4) فتنة الخوارج