تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29

ويروي البلاذري أيضا عن عباس بن هشام الكلبي أن الحجاج سأل ما كانت الفرس تعمل به في ضرب الدراهم، فاتخذ دار ضرب، وجمع فيها الطباعين، فكان يضرب المال للسلطان مما يجمع له من التبر وخلاصة الزيوف والستوفه والبهرجة، ثم أذن للتجار وغيرهم في أن تضرب لهم الأوراق. فلما ولي عمر بن هبيرة العراق ليزيد بن عبد الملك خلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله، وجدد الدراهم فاشتد في العيار. ثم ولي خالد بن عبد الله القسري العراق لهشام بن عبد الملك، فاشتد في النقود أكثر من شدة ابن هبيرة، حتى أحكم أمرها أبلغ من إحكامه، ثم ولي يوسف بن عمر، فأفرط في الشدة على الطباعين وأصحاب العيار، وقطع الأيدي وضرب الأبشار، فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، ولم يكن المنصور يقبل في الخراج من نقود بني أمية غيرها.

30

والحق أن عملية عبد الملك في سك العملة عملية جريئة ومفيدة؛ فقد كان العالم المتمدن القديم يكبر العملة الذهبية البيزنطية، وينظر إليها وكأنها شيء مقدس ذو سلطان لا يقاس به سلطان آخر، أما الفرس فكان لهم أن يسكوا العملة الفضية فقط. نقل البروفسور ميتز عن الرحالة الهندي

Casmas

في منتصف القرن السادس الميلادي خبر مناظرة جرت في مجلس ملك سرنديب بين تاجر رومي وآخر فارسي، أراد كل منهما أن يثبت أن ملك بلاده أقوى، وغلب التاجر الرومي صاحبه آخر الأمر ، وذلك بأن أخرج قطعة ذهبية من العملة البيزنطية التي يتعامل بها في جميع البلاد، على حين أن الفارسي لم يستطع أن يخرج إلا عملة من الفضة. ثم يعلق على هذه الحكاية بقوله: من الصحيح في هذه الحكاية أنه كان بين البيزنطيين وبين الدولة الساسانية معاهدة خاصة بالعملة، تقضي بأن يضرب الساسانيون نقودا من الفضة فقط، ويتخذوا العملة الذهبية عملة لهم؛ ولهذا شاع في بلاد الإسلام التي كانت تحت حكم الرومان من قبل العملة الذهبية، على حين أن بلاد الفرس كانت عملتها الجارية الدراهم الفضية.

31

وهذا يدلنا على المكانة السامية التي كانت للدينار الذهبي الرومي، فإقدام عبد الملك على امتهان ذلك الدينار وسك عملة ذهبية جديدة، هو إقدام لا يجرؤ عليه إلا من كان عنده حزم عبد الملك وسلطان كسلطانه.

ويختلف المؤرخون في السنة التي بدأ عبد الملك فيها بسك العملة بين سنة 74 وسنة 75 وسنة 76.

32

ولكن الباحث الفرنسي

Lavoix

قد توصل بمقارنة المصادر العربية والبيزنطية وفهارس مجموعات النقود إلى أن إصلاح عبد الملك بدأ حوالي سنة 73 و74ه، وأن ضرب النقود على أشكالها القديمة قد استمر بعد ذلك لمدة سنوات أخرى.

33

وقد أبقى عبد الملك وزن الدينار العربي على وزن الدينار الرومي، ولكنه قسم إلى عشرين «قيراطا» بدل الاثنين والعشرين قيراطا إلا حبة، أما الدراهم فقد أبقاها كما كانت؛ أي إن وزن كل عشرة منها يساوي سبعة مثاقيل.

34

ولكي يحذر الناس من غش النقود الجديدة وضع الخليفة «صنجات» لوزن العملة، وهي من الزجاج لوزن الدينار والدرهم، وقد أرسل عبد الملك إلى عامله في العراق الحجاج بن يوسف؛ لضبط النقود الفضة في العراق والمشرق، ومنع استعمال العملات القديمة، وقد سار الخلفاء بعد عبد الملك على سيرته، ولكنهم تشددوا في تخليص العملة من الغش وتنقية الفضة والذهب وزيادة الوزن، وقد رأينا في النص الذي نقلناه عن البلاذري أن عمر بن هبيرة قد خلص الفضة أبلغ من تخليص من قبله وجدد الدراهم، وأن الدراهم الهبيرية أجود من الدراهم السابقة. ثم جاء خالد بن عبد الله القسري في عهد هشام، فاشتد في تخليصها أكثر من ابن هبيرة، ثم جاء يوسف بن عمر فزاد في الدقة في العيار، وقطع أيدي الناس على الغش فيها.

أما صرف الدنانير بالدراهم فقد كان يختلف صعودا ونزولا حسب الظروف العامة، وطبقا لنظام العرض والطلب؛ ففي عهد الرسول كان الدينار يساوي 12 درهما، وكذلك كان في عهد أبي بكر وعمر.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٧٦